13 Sep
13Sep

من المنطقي اعتبار الحديث عن سياسي أو زعيم عراقي نوعاً من التسويق أو التمجيد الشخصي له، وربما لحزبه السياسي. ومع الأخذ بنظر الاعتبار حملة التسقيط الممنهج التي طالت العملية السياسية في البلد، وما رافقها من تخوين وتسقيط كامل لمعظم الزعماء والساسة، في حملة شاركوا فيها ضد بعضهم بعضاً، تحت شعار «كلهم حرامية».
لكن، وبغض النظر عن رأينا في هذه الحملات والشعارات، سواء كانت حقيقية أم تسقيطية، فهذا لا يمنع من فهم مواقف القادة وتصرفاتهم وقراراتهم ودوافعها، لتكون خياراتنا واضحة في دعم أحدهم ورفض غيره، لا على أساس شخصي، وإنما على أساس البرنامج الذي يقدمه هذا الحزب أو ذاك لقيادة البلد وبنائه. ومن يفكر بطريقة غير ذلك، فهو لا يفهم آليات الحكم؛ فالديمقراطية في نهاية المطاف لعبة أحزاب وساسة، ولا خيار آخر فيها غير ذلك.
والواقع أثبت خلال السنوات السابقة أن غالبية الناس لا يملكون القدرة على تحليل البرامج السياسية، أو قياس نسب النجاح والفشل لدى الأحزاب، بل وحتى فهم أهمية أن يكون للأحزاب مشروع وبرنامج سياسي يخص البلد. وهي قضية تتعلق بمستوى الوعي السياسي، وبالمحاولات المستمرة لـ«تجهيل» المجتمع ودفعه بعيداً عن التفاعل مع العملية السياسية، لأهداف وأسباب تأكد أنها «خبيثة».
ومما سبق يتبين أن رأي وتفاعل قطاعات مهمة من المجتمع مع المواقف والساسة والأحزاب، يعتمد إلى حد كبير على العاطفة والتفاعل النفسي والتأثيرات الشخصية. وهو جانب مهم، رغم أنه ليس دقيقاً دائماً، لكنه يمكن أن يُستثمر من خلال تواصل مباشر من الناشطين والزعماء والقادة مع المجتمع وأفراده، والحديث مباشرة معهم حول مختلف القضايا، وخصوصاً في توقيتات بعيدة عن مواعيد «الصيد الانتخابي».
ما يؤسف له حقاً أن معظم زعماء وقادة عمليتنا السياسية لا يراهم الشارع إلا في الحملات والمهرجانات الانتخابية البحتة، وينفرد عن ذلك السيد عمار الحكيم، الذي تبنى منهجاً قوياً ومستمرّاً ومتنامياً في التواصل المجتمعي، حيث حقق معدلاً وصل إلى نحو (15) زيارة خلال السنوات الأخيرة، وهي نسبة لم يصل إلى عُشرها أي زعيم أو مسؤول حكومي حتى الآن!
والأكثر لفتاً للنظر في تلك الزيارات أن نحو (90%) منها كانت بعيدة عن المواسم الانتخابية العراقية، بما يقرب من (9–12) شهراً، وهو ما يبعد عنها الصبغة الانتخابية.
ورغم أن الحكيم وتياره السياسي من أكثر الجهات تعرضاً للهجوم والتسقيط، فإن الواقع المجتمعي والميداني يثبت أنه الأكثر قبولاً وقدرة على التواصل، في مفارقة غريبة يبدو أنها لا تنعكس كثيراً على الأرقام الانتخابية!
الرجل، خلال كل زياراته، كان يتواصل ويدافع عن الدولة ومؤسساتها، ويحذر من مشكلات لم تحصل بعد، ويستميت في التسويق للبرنامج الحكومي، رغم أنه لم يكن أحياناً جزءاً منه.
ورغم حجم الإحباط والتلكؤ والفساد الذي يطفو على السطح، فإن هذا «المتفائل» يرى في تلك المشكلات فرصة لتحويلها إلى تحدٍّ ينجح فيه البلد ويتجاوزه، في نظرة واستشراف يبدوان بعيدين عن الواقع ظاهرياً، ليثبت لاحقاً أن كثيراً مما توقعه وقاله كان قريباً من الواقع، وبقدر كبير من الدقة.
فما الذي يراه ولا نراه؟
المجتمع العراقي، وفي خضم كل هذا الوضع السيئ والمقلق الذي نعيشه، هو بأمسّ الحاجة إلى جرعة من التشخيص الواقعي المتفائل. وبالرغم من كثرة الملاحظات والانتقادات للعملية السياسية، بأحزابها وقادتها، فإننا بحاجة ماسة إلى تواصل مباشر مع من يقودون البلد من زعماء وساسة مؤثرين؛ ليفهم الناس منهم، ويسمعوا من الناس، ويقدّروا حجم التحدي، ويحصلوا منهم على جرعة أمل تعينهم على الصبر أمام ما يرونه من صعوبات.
كما يفعل هذا الرجل «المتفائل»... عسى أن تتحقق نبوءاته واستشرافاته.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - الموقع الرسمي لتيار الحكمة الوطني