ليس من قبيل المبالغة القول إن الشعوب لم تعد تحاكم الدور الأمريكي من خلال الخطاب، بل من خلال التجربة. فحيثما حضرت الولايات المتحدة لاعبًا مباشرًا أو غير مباشر، كانت النتيجة واحدة تقريبًا: دول مكسورة، مجتمعات منقسمة، وسيادة مثقوبة باسم “التدخل من أجل الحرية”.
من فيتنام التي احترقت لعقود، إلى أمريكا اللاتينية التي دُجّنت بالانقلابات، مرورًا بالعراق وأفغانستان وليبيا، يتكرر المشهد ذاته:تدخل أمريكي، إسقاط أو إضعاف دولة، فراغ، فوضى، ثم انسحاب بارد وترك الشعوب أمام ثمن لم تختره.
المشكلة ليست في خطأ تكتيكي هنا أو فشل سياسي هناك، بل في نمط ثابت: أمريكا لا تدخل بلدًا إلا بمنطق المصلحة، ولا تغادره إلا بعد أن تُعيد تشكيله بما يخدم هذه المصلحة، بغضّ النظر عن الكلفة الإنسانية أو الوطنية.
لهذا، فإن أي حديث أمريكي عن “دعم الشعوب” أو “مساندة الاحتجاجات” لا يُستقبل بوصفه تضامنًا، بل يُقرأ بصفته إنذارًا مبكرًا. فالشعوب التي دفعت أثمان التدخل الأمريكي تعلّمت أن هذا الدعم غالبًا ما يكون مقدمة؛ لتدويل أزماتها ولتشويه حراكها الوطني ولمنح أنظمتها ذرائع جاهزة للقمع.
في إيران، كما في غيرها، لا يُضعف الاحتجاجات القمع وحده، بل إقحام أمريكا في المشهد. فمجرد تصريح أمريكي كفيل بتحويل احتجاج اجتماعي مشروع إلى “ملف أمني”، وبنقل الصراع من كونه بين الشعب والسلطة إلى صراع سيادة مع الخارج. وهنا، يخسر المحتجون تعاطف شرائح واسعة لا تثق بواشنطن، حتى وهي ناقمة على أنظمتها.
الشعوب ليست ساذجة. وهي تدرك أن أمريكا لا تتحرك بدافع القيم، بل بدافع الحسابات. لذلك، فإن الحساسية الشعبية تجاه أي دور أمريكي ليست نابعة من جهل، بل من ذاكرة سياسية مثقلة بالخسائر.
الخلاصة التي رسختها التجربة العالمية واضحة؛ حين تدخل أمريكا على خط الأزمات، لا تنقذ الشعوب، بل تعقّد معاناتها، ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حراك وطني هو أن يُقدَّم بوصفه “مدعومًا أمريكيًا”، لأن ذلك وحده كفيل بتجريده من شرعيته، وإفراغه من روحه، وتسليمه لخصومه من حيث لا يدري.