السيادة ليست كلاماً يُرفع في المناسبات الوطنية وإنما هي جوهر الدولة وشرط قيامها، وبلد مثل العراق الذي عانى الاستبداد والحروب والقيود الدولية تكتسب السيادة فيه معنى مضاعفاً فهي عنده استعادة للقرار والمكانة معاً، ومن هنا يستحق هذا المفهوم أن نتتبعه في فكر آل الحكيم، لأنه يشكل الخيط الناظم لمراحلهم المتعاقبة: عراق سيد قراره، حر في إرادته، متوازن في علاقاته، قوي بوحدة أبنائه.
وقد بدأ تأسيس هذه الفكرة مع السيد محمد باقر الحكيم (قدس سره) الذي عاد إلى العراق بعد عقود من معارضة الاستبداد وهو يحمل مشروع دولة يقرر فيها العراقيون مصيرهم بأنفسهم، وقد أكد أن التحرر من الطغيان لا يعني الانتقال إلى وصاية جديدة، وكان استشهاده في محراب الإمام علي (عليه السلام) عام ٢٠٠٣ ثمناً لهذا الموقف وبقيت وصيته في بناء عراق مستقل موحد حاضرة عند أتباعه.
ثم انتقلت الراية إلى السيد عبد العزيز الحكيم (رحمه الله) في مرحلة بالغة التعقيد فنقل المبدأ من التأسيس إلى العمل السياسي والمؤسسي، وجمع بين الواقعية والثبات على المبدأ، فدعا إلى إنهاء الوجود العسكري الأجنبي وفق جداول زمنية واضحة عبر الحوار والاتفاق لا عبر الصدام وشدد على وحدة الصف الوطني وعلى أن السيادة تتعزز ببناء المؤسسات وترسيخ الدستور.
وفي السياق نفسه، كان الخروج من قيود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة مطلباً وطنياً عاماً لأن تلك القيود ارتبطت بسياسات النظام السابق وارتدت آثارها على الدولة والشعب ولا تكتمل السيادة ما لم يستعد العراق مكانته الدولية، وقد تحقق ذلك على مراحل بجهد سياسي ودبلوماسي شاركت فيه قوى عدة وظلت الدعوة إليه حاضرة في خطاب السادة من آل الحكيم.
ثم جاء السيد عمار الحكيم ليواصل النهج نفسه بلغة تناسب تحديات اليوم، فقد دعا مراراً إلى معادلة (العراق أولاً) أي تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الإقليمية والدولية وإقامة علاقات متوازنة مع المحيط العربي والإسلامي والمجتمع الدولي دون أن يكون العراق ساحة لتصفية الصراعات، وشدد كذلك على حصر السلاح بيد الدولة وعلى أن السيادة الحقيقية تبدأ من الداخل بمؤسسات قوية واقتصاد متنوع لا يعتمد على النفط وحده وقضاء مستقل وخدمات تحفظ كرامة المواطن.
وهكذا تتعدد الأسماء والمراحل وتبقى الرسالة واحدة، أن أرسى شهيد المحراب المبدأ وترجمه عزيز العراق في العمل المؤسسي ويمضي السيد عمار الحكيم في ترسيخه بخطاب وطني جامع، والسيادة في هذا الفكر ليست عزلة عن العالم وإنما هي شراكة الأنداد وقرار عراقي حر ينبع من إرادة أبناء العراق ويخدم مصالحهم.