ليست أخطر الأوطان تلك التي يكثر فيها الفساد، بل تلك التي يضيع فيها ميزان العدالة، حتى يصبح الشريف موضع شبهة، والفاسد موضوع جدل، ويغدو الناس عاجزين عن التفريق بين من يزرع الشجرة ومن يبيع ظلها.. فالضباب لا يصنعه الشتاء وحده، بل تقويه أيضًا كثرة الأصوات حين تتزاحم حتى تحجب الحقيقة.
منذ عام 2003، دخل العراقيون مرحلة وُعدوا فيها بدولة الشفافية والمكاشفة، وبأن المواطن لن يكون آخر من يعلم، وأن السلطة ستقف أمام شعبها كما يقف الإنسان أمام مرآته؛ بلا أقنعة ولا مساحيق. غير أن السنوات مضت، وكبرت المفردات في الخطب، بينما بقيت الحقائق صغيرةً في الواقع، حتى أصبحت الشفافية شعارًا محفوظًا أكثر منها ممارسةً مؤسسية.. وفي الفراغ الذي تركته الحقيقة، تمددت الشائعة.
حين تغيب الرواية الرسمية الواضحة، لا يبقى الميدان خاليًا، بل تحتله الصفحات المجهولة، والمنصات التي لا يُعرف من يديرها، ولا من يمولها، ولا لأي غاية تعمل. وهناك، تتحول الأكاذيب إلى مواد إعلامية، ويُخلط الواقع بالخيال، وتُعجن الأخبار بقليل من الحقيقة وكثير من الفبركة، ثم تُقدَّم للرأي العام على أنها يقين لا يقبل النقاش.
هكذا، لم تعد الضوضاء مجرد ضجيج عابر، بل أصبحت سلطةً موازية، تصنع الانطباعات، وتصدر الأحكام، وتمنح البراءة والإدانة قبل أن يقول القضاء كلمته..
من الواضخ أنه حين ينتصر الضجيج، يخسر الجميع، فالمواطن يفقد حقه في معرفة الحقيقة، والنزيه سمعته، ويربح الفاسد خوفه؛ لأنه يدرك أن اختلاط الأوراق هو أفضل ملاذ للإفلات من المساءلة، ففي الماء العكر، لا يبحث اللص عن النجاة، بل عن مزيد من الغنائم.
إنصاف النزيه لا يبدأ بمدحه، بل بكشف الفاسد، فالعدالة ليست أن نكثر الحديث عن الشرفاء، وإنما أن نضع المفسدين تحت ضوء القانون، حيث لا تنفع الشعارات، ولا تحميهم الألقاب، ولا تتقدم الانتماءات على النصوص..
إن الدعوة إلى المحاكمات العلنية لرموز الفساد ليست دعوة إلى الإثارة الإعلامية، ولا رغبة في صناعة مشهد استعراضي، وإنما هي مطالبة باستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، فالقضاء حين يعمل أمام أعين الناس، لا يحاكم المتهم وحده، بل يحاكم الشكوك التي تراكمت في نفوس المواطنين، ويعيد للقانون هيبته التي لا تُستعاد بالبيانات، بل بالأحكام.
أعتاد العراقيون على مدى أكثر من عقدين، أن يسمعوا بعد كل أزمة العبارة نفسها: “تشكيل لجنة تحقيقية" ثم تمضي الأيام، وتذبل الأخبار، وتختفي النتائج، وكأن تلك اللجان كانت وسيلةً لتهدئة الغضب لا للوصول إلى الحقيقة.
كم لجنة شُكلت؟ وكم ملف فُتح؟وكم قضية شغلت الرأي العام؟ثم… أين انتهت؟
هذه الأسئلة لم تعد تخص حادثة بعينها، بل أصبحت سؤالًا عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن. فالثقة لا تُبنى على الإعلان عن بدء التحقيق، وإنما على إعلان نتائجه، ومحاسبة المسؤول عنه، مهما كان موقعه أو انتماؤه.
هذا الطلب ليس خروجا على القانون، بل هو إنسجام مع جوهر القانون نفسه، ومع ما دعت إليه المرجعية الدينية مرارًا حين طالبت بالضرب بيدٍ من حديد على رؤوس الفساد، لأن الفساد ليس جريمة مالية فحسب، بل هو اعتداء على مستقبل الأجيال، وسرقة لأحلام الناس قبل أن يكون سرقةً لأموالهم.
الدولة القوية لا تخشى أن يرى الناس عدالتها، بل تخشى أن يفقد الناس ثقتهم بها..ومن هنا، فإن المحاكمة العلنية ليست انتقامًا من الفاسد، وإنما اعتذارٌ للنزيه، ورسالةٌ إلى المواطن، وإنذارٌ لكل من يظن أن النفوذ أقوى من القانون، وحين يرى العراقيون الفاسد يُحاكم أمام القضاء، لا أمام صفحات التواصل، سيبدأ الضجيج بالانحسار، وستتراجع الشعبوية أمام الوقائع، وسيتحول الرأي العام من جمهورٍ يصفق للإشاعات إلى مجتمعٍ ينتظر الأحكام.
العدالة التي لا تُرى، عدالةٌ ناقصة، والحقيقة التي تبقى حبيسة الأدراج، تترك الساحة للأكاذيب.. أما الدولة التي تُخرج الحقيقة إلى العلن، فإنها لا تعاقب الفاسد فحسب، بل تُنصف النزيه، وتحمي وعي المجتمع من أن يتحول إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للضوضاء.