ثمة فارق جوهري بين من يزور محافظة لأنه يحتاج الى اصواتها وبين من يزورها لأنها جزءٌ من العراق، منذ اللحظة التي تطأ فيها خطى السيد عمار الحكيم أرض أي محافظة عراقية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، يتبدى المشهد على نحو مختلف، فلا بروتوكول بارد ولا زيارة تُحصى بالدقائق بل حضور يحمل معه سؤالاً واحداً يتكرر في كل محطة: كيف حال الناس هنا؟ وما الذي ينقصهم؟.
في السابع من أيلول/سبتمبر الجاري وصل الحكيم إلى أربيل واستهل جولته بلقاء رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني قبل أن يتنقل بين مكونات الإقليم السياسية والحكومة المحلية ثم يمضي إلى قلعة أربيل التاريخية ويتجول في أسواقها العريقة وبين اهلها، كأن جولاته تحمل دلالةً لمن يبحث عن الدلالة: أن العراق لا يُقرأ من العاصمة وحدها بل من تفاصيل كل مدينة وسوق وزقاق.
خارطة واحدة لوطن واحد
لن تجد في سجل تنقلات السيد الحكيم فرقاً في الحفاوة أو الاهتمام بين أربيل والنجف، بين دهوك والبصرة، بين الأنبار وميسان، فكما وقف قبل أشهر قليلة في محافظة الأنبار يستمع إلى أبنائها ويقف على همومهم الخدمية والأمنية وكما اعتاد أن يزور المراقد المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة في المناسبات الدينية، فإنه اليوم يقف على أرض كردستان بالروح نفسها والاهتمام ذاته، هذه ليست مصادفة بل نهج ثابت يقوم على قناعة راسخة: أن العراقي واحد أينما حل وأن الجغرافيا يجب ألا تتحول إلى جدار يفصل مكوناً عن آخر أو محافظة عن أخرى، وبينما تتقاسم بعض الخطابات السياسية الوطن على أسس مناطقية أو طائفية أو قومية يأتي هذا الحضور المتساوي في كل ربوع العراق ليكون رسالة عملية أبلغ من ألف خطاب: الوطن للجميع والمسؤولية تجاه أبنائه واحدة ومتساوية.
رسالة إلى العراقيين
في لقاءاته مع القيادات المحلية وفي حديثه المتكرر عن ضرورة التكاتف الوطني بوصفه الطريق الأقصر لمواجهة التحديات يعيد السيد الحكيم صياغة سؤال الهوية العراقية بعيداً عن منطق الاصطفافات الضيقة، فحين يلتقي رئيس إقليم كردستان وحين يشدد على إنصاف الكرد الفيليين وحفظ حقوقهم وحين يدعو إلى إقرار قانون مجالس المحافظات وتعزيز الحكم المحلي إنما هو يرسم بذلك ملامح مشروع وطني جامع لا يستثني مكوناً ولا يُقصي طرفاً، وهو مشروع لا يُقاس بعدد الزيارات بل بعمق الإصغاء الذي يمارسه في كل محطة: جلسات مطولة مع الشيوخ والوجهاء ولقاءات مع الشباب والناشطين المدنيين وحرص دائم على أن تكون الكلمة الأخيرة في كل جولة للناس أنفسهم لا للبروتوكول الرسمي.
سلاح الدولة والمعركة المفتوحة ضد الفساد
لا تنفصل هذه الجولات عن الخطاب السياسي الذي يتبناه الحكيم في المرحلة الراهنة والقائم على ركيزتين أساسيتين: حصر السلاح بيد الدولة باعتباره شرطاً لا غنى عنه لبناء دولة المؤسسات ومواجهة الفساد بوصفه العدو الأول لاستقرار العراق وتقدمه، فحين يتنقل بين المحافظات فإنه لا يحمل معه فقط رسالة التلاحم الاجتماعي بل يستثمر كل زيارة لتكريس فكرة أن قوة الدولة تكمن في احتكارها لقرار السلم والحرب وأن أي مشروع نهضوي حقيقي لا يمكن أن يُبنى على أنقاض المال العام المنهوب، هذا الخطاب الذي يطرحه السيد الحكيم بثبات دون مهادنة ودون تصعيد يهدد النسيج الاجتماعي، هو ما يمنح جولاته بعداً يتجاوز البروتوكول السياسي المعتاد ليتحول إلى مشروع دولة متكامل الأركان.
لماذا هذه الزيارات مهمة؟
لأن قلة من الشخصيات السياسية العراقية استطاعت أن تحول كثرة الزيارات إلى فعل سياسي ذو معنى لا إلى مجرد استعراض إعلامي، ولأن المسافة بين أربيل والنجف التي تبلغ مئات الكيلومترات جغرافياً، تنكمش في مسار السيد الحكيم إلى مسافة واحدة يقطعها الانتماء للعراق كله، هذا هو جوهر ما يستحق أن يُكتب عنه: ليس مجرد سرد لمحطات زيارة بل توثيق لنهج سياسي نادر يضع الوطن والمواطن فوق كل حساب ويمنح كل عراقي أينما كان، واياً كان، شعوراً بأنه ليس على هامش الاهتمام بل في صلبه.