11 Sep
11Sep

قد تكون مئات الكيلومترات، وقد تحتاج إلى ساعات طويلة حتى تقطعها بالسيارة، لكن هناك من لا يحسب المسافة بالكيلومترات، بل بما يشعر به تجاه الوطن وأهله.
حين تؤمن بأن العراق قطعة أرض واحدة، مهما امتدت واتسعت، وأن الذين يسكنون هذه القطعة متساوون في الحقوق والواجبات، عندها تبدأ المسافات بالتلاشي، وتختفي في وجدانك تلك الفوارق التي يصنعها الجغرافيا أو المجتمع أو السياسة.
هذا هو عمار الحكيم.
يرى أربيل كما يرى التنومة، وطوزخورماتو كما يرى القائم؛ ليست المدن عنده نقاطاً متباعدة على خارطة، بل بيوتاً متجاورة في وطن واحد، وأهلها عراقيون، لهم ما للعراقيين وعليهم ما عليهم.
يسمع كلمة «عجل» فيفهمها كما تُقال، ويسمع «لعد» فلا يبحث لها عن معنى آخر، و«سلام عليكم» عنده هي «السلام عليكم»، و«كاكا» ليست حاجزاً لغوياً أو اجتماعياً، بل تعني ببساطة: أخي.
قد تختلف اللهجات، وتتبدل المفردات من مدينة إلى أخرى، لكن المعنى في داخله واحد.
عمار الحكيم هو عمار الحكيم في النجف، وفي أربيل، وفي الأنبار، وفي البصرة. لا يحتاج إلى أن يبدّل لغته حتى يكون مقبولاً، ولا إلى أن يغيّر مواقفه حتى يرضى عنه هذا الطرف أو ذاك. "يحچي" مثل ما يعتقد، ويقول "اللي يشوفه" صحيحاً، من دون مجاملة زائدة ولا محاباة ولا تدوير للكلام.
هذا واقع العراق، وهذه مشاكله.
هذا ما على المواطن، وهذا ما له.
وهذا واجب الحكومة، وهذا عذرها إن كان عذرها مقبولاً.
وهذا حق العراق على جيرانه والعالم، وهذا ما يجب أن نقدمه نحن للعراق.
هكذا يتعامل الحكيم مع السياسة؛ لا كخطابات موسمية، وإنما كمسؤولية وطنية متحركة بين الناس.
طبيب جوّال، إذا صحّ التعبير، يحمل معه تشخيصه للواقع، وينتقل به بين أبناء شعبه؛ يسمع منهم قبل أن يتحدث إليهم، ويضع أمامهم ما يراه من الداء والدواء، ومن الخطأ والصواب، ومن المسؤولية والواجب.
وفي بلد مثل العراق، لا يكفي أن نعرف أن الوطن واحد، بل علينا أن نتصرف على هذا الأساس.
أن يشعر ابن أربيل أن البصرة قريبة منه، وأن يشعر ابن التنومة أن أربيل مدينته أيضاً، وأن لا تكون طوزخورماتو بعيدة عن القائم إلا على الخريطة، لا في وجدان العراقي.
لهذا لا يتعامل الحكيم مع العراقيين باعتبارهم جماعات متفرقة، بل باعتبارهم أبناء وطن واحد، وإن اختلفت ألوانهم ولهجاتهم ومناطقهم وتفاصيل حياتهم.
وهو حين يتحرك بين هؤلاء، لا يذهب ليقول لهم ما يحبون سماعه، وإنما ليقول ما يعتقد أنه ينبغي أن يُقال؛ يسمع ويُسمع، ويضع الجميع أمام مسؤوليتهم التاريخية في حفظ العراق والذود عنه، بالكلمة حين تكون الكلمة هي الموقف، وبالفعل حين يحين وقت الفعل، وبكل ما يستطيع العراقي أن يقدمه دفاعاً عن وطنه.
هنا تضيع المسافات.
فأربيل ليست بعيدة عن التنومة حين يكون الوطن واحداً، والقائم ليست بعيدة عن طوزخورماتو حين يكون العراقيون إخوة.
المسافة الحقيقية ليست بين المدن... المسافة الحقيقية بين القلوب حين يغيب الوطن عنها.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - الموقع الرسمي لتيار الحكمة الوطني