13 Sep
13Sep

القيادة ليست منصباً يُمنح، ولا لقباً يُرفع، وإنما قدرة ومسؤولية ورؤية تتسع بقدر ما يمتلك صاحبها من همة وإمكانات ووعي بحجم المسؤولية.
فالقيادة تبدأ من أصغر وحدة في المجتمع، من الأسرة، حيث يختبر الإنسان قدرته على إدارة شؤونها وتحمل مسؤولياتها، ثم تتسع الدائرة لتشمل العشيرة أو الجماعة أو الحزب، وصولاً إلى قيادة شعب أو أمة. وبين هذه المستويات تتباين قدرات القادة؛ فمنهم من تتوقف حدود قيادته عند محيطه الضيق، ومنهم من يستطيع أن يتجاوز الانتماءات الفرعية ليجعل من الوطن بمختلف مكوناته مجالاً لمسؤوليته.
ومن هنا يمكن النظر إلى تاريخ العراق الحديث، الذي شهد أنظمة وقيادات متعاقبة لم تنجح، في كثير من مراحلها، في إنتاج نموذج القيادة الوطنية الجامعة. فقد غلب على عدد من تلك التجارب التعامل مع المجتمع من خلال الانتماءات الفرعية، وفي مقدمتها الانتماء الطائفي، الأمر الذي عكس – في جانب منه – ضيقاً في أفق القيادة وعجزاً عن بناء علاقة متوازنة مع جميع مكونات الشعب العراقي.
وبعد عام 2003، شهد العراق تعدداً كبيراً في القيادات السياسية وظهور العديد من الشخصيات التي حملت عناوين الزعامة والقيادة. غير أن العناوين وحدها لا تكفي لصناعة قائد؛ فالمعيار الحقيقي للقيادة هو السلوك والممارسة والقدرة على الحضور في مختلف البيئات والاستماع إلى مختلف الأصوات، بعيداً عن حدود الانتماء الضيق.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة السيد عمار الحكيم بوصفها نموذجاً يستحق التوقف عنده. فالحكيم، من خلال جولاته ولقاءاته التي تمتد إلى مختلف المحافظات والمناطق العراقية، يحاول أن يقدم نفسه بوصفه مسؤولاً عن خطاب يتوجه إلى العراقيين جميعاً، لا إلى بيئة اجتماعية أو مذهبية بعينها.
إن انتقال السياسي من محيطه الخاص إلى فضاء الوطن الأوسع ليس مجرد حركة جغرافية، بل هو قبل ذلك تعبير عن تصور للقيادة ومساحتها. فكلما اتسعت دائرة الحضور، واتسعت معها القدرة على الاستماع إلى المختلف والتواصل معه، اقتربت القيادة من مفهومها الوطني الجامع.
ولعل العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الألقاب بقدر حاجته إلى قيادات تتسع رؤيتها لاتساع جغرافيته وتنوع مجتمعه. قيادة لا ترى الوطن مجموعة جماعات متنافسة، وإنما شعباً واحداً متعدد التلاوين، لكل مكوناته حق الحضور والمشاركة والاستماع إليه.
فالقيادة، في نهاية المطاف، ليست في عدد من يصفقون للقائد، وإنما في عدد من يستطيع القائد أن يحتويهم في رؤيته ومسؤوليته.
وكلما اتسعت سعة القيادة، ضاقت مساحة الانقسام، واتسعت مساحة الوطن.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - الموقع الرسمي لتيار الحكمة الوطني