07 Feb
07Feb

لسنا في مقام المباهاة، بل في موضع الشهادة للتاريخ…فمن يتأمل مسار العراق، قبل عام 2003 وبعده، ويتوقف عند محطاته الحاسمة، لا يمكنه أن يتجاوز حضور آل الحكيم؛ حضورًا ممتدًا من الإمام الأكبر السيد محسن الحكيم، وصولًا إلى أبنائه، مسيرة خُطّت بالتضحية الخالصة، والفداء الصادق للدين والوطن، من دون أن تتلطخ بهدف شخصي أو مصلحة عابرة.

يروي لنا التاريخ، وتؤكده الذاكرة الوطنية، أن الإمام الحكيم (قدس سره) كان حاضرًا في مواجهة الاحتلال البريطاني عام 1914، إلى جانب السيد محمد سعيد الحبوبي، حيث أُصيب في معركة الشعيبة في البصرة، في مشهد يجسد التلاحم المبكر بين المرجعية وهمّ الوطن. ومنذ ذلك الحين، لم تكن المرجعية العليا مجرد موقع ديني، بل تحولت على يديه إلى مدرسة شاملة: دينية، اجتماعية، وخدمية، تنبض بقضايا الناس وآلامهم.

ومن “برانيته” انطلق التصدي للشأن العام، ليعلو صوت المرجعية بوصفها جهة إسلامية مؤتمنة، لا في الداخل فحسب، بل على المستويين الإقليمي والدولي.

هنا أدرك الظالمون ثقل هذا الدور، واستشعروا خطورته، حين بدأت المرجعية تتحول إلى قطب فاعل في توجيه الرأي العام، وصياغة ملامح المصير الوطني.

وتعاقبت الراية، مثقلة بالتضحيات، من الآباء إلى الأبناء الشهداء: السيد محمد مهدي الحكيم، والسيد محمد باقر الحكيم، وصولًا إلى السيد عبد العزيز الحكيم (قدس سره). لكل واحدٍ منهم حكاية نادرة في الولاء والإيثار، مواقف لا تتكرر إلا في السلالات التي اعتادت أن تدفع الثمن كاملًا، بلا تردد ولا حسابات.

ثم جاء ما بعد 2003، وانتهى عهد القمع والدكتاتورية، لتبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا: عملية سياسية شاقة، وسط صراعات داخلية، وتشابكات إقليمية ودولية، واصطفافات بلغت حد التقاطع الكامل، كما بين الولايات المتحدة بوصفها قوة احتلال، وإيران بوصفها جارًا مؤثرًا.

ومنذ انطلاق هذه العملية وحتى اليوم، تشهد الوقائع – بلا مواربة – أن آل الحكيم قدموا ما لم يقدمه غيرهم: تنازلات محسوبة، وتضحيات موجعة، ودفاعًا عن الشراكة الوطنية، وانفتاحًا على الجميع؛ شيعة، سنة، أكراد، وأقليات، من دون استثناء.

كان همّهم الدائم تثبيت الدولة، واستمرار النظام، وخدمة المواطن، لا حصد المكاسب ولا اقتناص الامتيازات. لم يُعرف عن المتصدين من آل الحكيم أنهم طلبوا ثمنًا لموقف، أو مقابلًا لتضحية، أو عائدًا لتنازل. كانت البوصلة واحدة: أن تستمر المسيرة، وأن لا ينهار الكيان، وأن يبقى الأمل ممكنًا.

والمنصف، مهما اختلف، لا يعجز عن رؤية هذه الحقيقة. صحيح أن هناك من حاول طمسها أو الالتفاف عليها، لكن الوقائع، بعنادها، تعيد فرض نفسها.أما جزاء تلك المواقف، فكان – ولا يزال – حاضرًا للعيان. غير أن لهم في أجدادهم من آل الرسول أسوةً خالدة؛ فقد أعطوا للإسلام والمسلمين كل ما يملكون، وكان المقابل – في كثير من المحطات – سفك دمائهم بأيدي مسلمين مثلهم.فلا غرابة… ولا جديد في دروب التضحية لأجل الأهداف السامية.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - الموقع الرسمي لتيار الحكمة الوطني