22 Feb
22Feb

يمثل السيد عبد العزيز الحكيم (رض) إحدى الشخصيات المحورية في مرحلة التحول السياسي التي شهدها العراق بعد عام 2003، إذ ارتبط اسمه بمرحلة إعادة تشكيل النظام السياسي وانتقال الدولة من نموذج شمولي مركزي إلى نظام تعددي قائم على مبدأ المشاركة السياسية والتوازن بين القوى والمكونات،وتكمن أهمية دراسة تجربته في كونها جزءاً من سياق أوسع يتعلق بدور النخب المعارضة في إدارة المراحل الانتقالية، وكيفية انتقالها من فضاء المعارضة إلى موقع الفعل في السلطة ضمن بيئة داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.

تكوّنت شخصية عزيز العراق في بيئة دينية سياسية جمعت بين التكوين الفقهي والعمل الحركي، وهو ما انعكس على فهمه للعمل العام بوصفه مسؤولية أخلاقية ووطنية تتجاوز الإطار الحزبي الضيق،كما أن تجربة المنفى الطويلة وما رافقها من نشاط سياسي ودبلوماسي أسهمت في بناء شبكة علاقات إقليمية ودولية، كان لها أثر ملموس في مرحلة ما بعد 2003، سواء في تثبيت شرعية العملية السياسية الجديدة أو في إدارة التوازنات مع الفاعلين الخارجيين.

عقب سقوط النظام السابق، واجه العراق تحديات مركبة تمثلت في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وضبط المشهد الأمني، ومنع الانزلاق نحو صراع أهلي شامل.

وفي هذا السياق برز دور الحكيم في دعم مسار العملية السياسية والمشاركة في صياغة التفاهمات بين القوى الفاعلة، كما اتسم أداؤه بقدر من البراغماتية السياسية، إذ كان يميل إلى تقديم تنازلات تكتيكية للحفاظ على استقرار المسار العام، انطلاقاً من قناعة مفادها أن ترسيخ النظام الدستوري الناشئ يتطلب مرونة عالية في إدارة الخلافات.

لم تكن تجربته بمعزل عن الانتقادات، سواء من خصوم سياسيين أو من تيارات داخل البيئة الشيعية نفسها،فقد رافقت المرحلة الانتقالية حملات تشكيك بقدرة القوى الجديدة على إدارة الدولة، إضافة إلى تحديات أمنية خطيرة وبقايا شبكات النظام السابق. غير أن الحكيم سعى إلى الموازنة بين تثبيت شرعية النظام الجديد والحفاظ على حد أدنى من التوافق الوطني، مدركاً أن أي انقسام حاد في تلك المرحلة قد يقود إلى انهيار التجربة برمتها.

أما على المستوى الوطني، تبنى خطاباً يؤكد على وحدة العراق ورفض عودة الاستبداد، مع تأكيده على أهمية المشاركة السياسية بوصفها مدخلاً لإعادة دمج المكونات المختلفة ضمن إطار الدولة، كما هو الحال على المستوى الإقليمي، فقد جاء حضوره في سياق إعادة تموضع العراق بعد عقود من العزلة والحروب، حيث كان جزءاً من عملية إعادة تعريف دور العراق في محيطه، مستفيداً من رصيده السياسي السابق في فضح ممارسات النظام السابق في المحافل الدولية.

برحيله في السادس والعشرين من آب عام 2009، خسر المشهد السياسي العراقي شخصية ارتبطت بمرحلة التأسيس وإدارة التحول. ويمكن النظر إلى إرثه السياسي بوصفه إسهاماً في تثبيت معادلة المشاركة والتوافق ضمن الإطار الدستوري، رغم ما شاب التجربة من تعثرات وتحديات.

إن تقييم تجربته يقتضي وضعها ضمن سياقها التاريخي، بعيداً عن القراءات الانفعالية، ذلك أن مرحلة ما بعد 2003 كانت لحظة إعادة بناء دولة في ظل ضغوط داخلية وخارجية متشابكة، وكان الحكيم أحد الفاعلين الرئيسيين في رسم ملامح تلك اللحظة .

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - الموقع الرسمي لتيار الحكمة الوطني