في الأيام الخمسة الأولى من شهر رمضان المبارك، نقف مع القرطاس والقلم لنكتب مؤبِّنين، ونستذكر متحسرين، ثم يعود بنا الخيال إلى ذواتنا المفقودة بعد أن صارت قاب قوسين أو أدنى من التحقق. فنحاول أن نُسلّي أنفسنا بأنها سنّة الحياة وما جُبلت عليه البشرية من طباع، ثم نتراجع عن ذلك أسفاً على غلبة الجهل والخداع اللذين أضاعا الفرصة.
تلك السنّة التي أشك أحياناً في صواب الاحتجاج بها، لأنها قد تمنح عذراً لناكري النعم، ومتجاهلي حق الرجال، والطاعنين في شرف الإخلاص.ثم نعود من شكّنا إلى عين اليقين، مقرين معترفين بأنها سنّة الحياة التي علمتنا أن نشعر بنعم ربنا بعد فقدها، وأن ندرك قيمة الرجال بعد غيابهم، وأن نعرف ثمن النزاهة وشرف المسؤولية بعد عبث الآخرين بهما.
نعم، ففي الخامس من شهر رمضان المبارك، لا مهرب للمشاعر إلا أن تمتطي قارب الذكريات، لتعود إلى ما بعد اختفاء "بطل التحرير القومي" في حفرته، ودخول قوات التحالف إلى العراق، والناس في حيص بيص لا تعلم في أي موضع تضع أقدامها.
في هذا اليوم رحل عن السياسة حكيمها. وقد كنت متردداً جداً في الكتابة عنه هذا العام، كوني أعتمد كثيراً فكرة «الواجب الكفائي»، حتى إنني كنت مكتفياً بمشاركة أبناء مدينتي في الحرب المقدسة تلبية لفتوى الجهاد الكفائي، كما حاولت الاكتفاء بما جادت به أقلام الكتّاب الذين استذكروا الفقيد يوم رحيله.لكن، ولأن ميدان الكتابة أقل خطراً على النفس من ميدان الرصاص، أفتيت لنفسي بوجوب الكتابة عن تلك الشخصية ولو على نحو الإيجاز.
يكفي هذا الرجل فخراً أن العناوين الطويلة والعريضة التي تشهدها الساحة السياسية الشيعية اليوم، والتي جاء أغلبها من عالم المجهول، لم تكن معروفة في زمن تصدّي عبد العزيز الحكيم للشأن السياسي. ويُحسب له أن أشد المعترضين على متبنّياته السياسية في حياته هم اليوم من أشد المنادين بها بعد وفاته، مثل الفيدرالية، وإبعاد العراق عن دائرة الصراع، وضرورة الانفتاح على العمق العربي لإبعاد الوطن عن المخاطر التي تصدر من هنا وهناك، على أقل تقدير.
ومن يعرف هذا الرجل، ولو القليل عنه، يحق له أن يسميه حكيم الاستشراف؛ إذ كان يرى الخطر على الأبواب، أو أبعد من ذلك، فيسارع إلى اتخاذ تدابير الوقاية بما يحفظ مصلحة الأمة ويصون دماء أبنائها وسلامة الأرض والعِرض. فلم يكن صخب المنافسين، ولا ضجيج الأعداء، ولا همس الجهلة، يثنيه عن التصريح بما يراه حلاً لإنقاذ أمته ووطنه من الانزلاق في الهاوية.
وكيف لمنصف أن يتغافل عن إخلاصه لقضيته، وحمله لهموم شعبه، بعدما شاع عن مواقفه ووطنيته ما يرويه خصوم الأمس ممن وجدوا الحقيقة ماثلة أمامهم.ولو تم التغاضي عن كل ما قيل عن خطواته الوطنية، وسُلِّط الضوء فقط على دعوته لتشكيل اللجان الشعبية لحفظ الأمن في المناطق ذات التنوع السكاني والمذهبي، لتأخذ على عاتقها تحقيق هذا الغرض، لعرف المتابعون أي نظرة استشرافية كان يحملها هذا السياسي، الذي أراد إبعاد البلد عن الحاجة إلى تشكيل الميليشيات المسلحة التي أصبحت وبالاً على أبناء الشعب، ولتكون قوة رديفة تحظى بدعم حكومي وجماهيري، كونها تخضع لسلطة القانون. خصوصاً ونحن اليوم نشاهد الأثر الإيجابي الكبير الذي تحقق بعد فتوى الجهاد الخالدة، والتي تمخض عنها تشكيل هيئة الحشد الشعبي، والتي لا تختلف كثيراً عن فكرة اللجان الشعبية التي دعا إليها الحكيم سابقاً.
أوَلا يرى أرباب التحليل السياسي والمتابعون للشأن العام فرقاً في مستوى الأداء السياسي، وتحديات الوحدة الوطنية، ونكران الذات في سبيل جمع كلمة أبناء الطائفة الواحدة وجعلها منطلقاً لوحدة الصف الوطني الجامع لكل المكونات، في الظرف الراهن قياساً بما كان عليه الأمر عندما كان في العراق حكيمٌ؟