يقول منظري الاجتماع السياسي، إن الخرائط لا تصنعها الجغرافيا وحدها، إنما تصنعها حركة الناس فوقها، فحين يتحرك الإنسان في وطنه من دون أن تقيده حدود الطائفة أو القومية أو المنطقة، تصبح فكرة الوطن أوسع من الخطوط المرسومة على الورق.
أما حين تصبح تلك الحدود حاضرة في طريقة التفكير والخطاب والحضور السياسي، فإن الخريطة تبدأ بالانقسام، حتى وإن بقيت الدولة واحدة في الخرائط الرسمية.
العراق من أكثر البلدان التي تنطبق عليها هذه الفكرة، فإن جمعته الجغرافيا، عملت السياسة والخطابات على تقسيمه إلى مساحات نفسية واجتماعية، لكل مساحة حساباتها الخاصة ومخاوفها ومظلومياتها، حتى أصبح من المعتاد أن يتحدث السياسي بلغة مختلفة عندما ينتقل من محافظة إلى أخرى، وأن يراعي جمهوراً هنا بما لا يراعيه هناك، وكأن عليه في كل مدينة أن يرتدي وجهاً سياسياً جديداً.
لهذا تبدو صورة السياسي الذي لا يغيّر خطابه بتغيّر المكان، صورة غير مألوفة في العراق، فإن تذهب إلى أربيل وتجلس مع أهلها، ثم تذهب إلى النجف أو البصرة أو الموصل، وأنت تحمل الفكرة نفسها واللغة نفسها والقدر نفسه من الاحترام للناس، فهذا ليس مجرد برنامج زيارات، إنه موقف سياسي بحد ذاته.
المسألة لا تتعلق بكثرة السفر ولا بعدد المحافظات التي زارها السياسي، إنما بالمعنى الذي تحمله هذه الزيارات، لأن واحدة منها يمكن أن تكون بروتوكولاً، أما حين تتحول كلها إلى نهج مستمر، وتصبح العلاقة مع المحافظات جزءاً من الحضور السياسي الدائم، هنا يتحول التنقل من حركة في الجغرافيا إلى رسالة في السياسة.
هذا ما يمكن أن يلحظه المتابع في جولات السيد عمار الحكيم بين المدن العراقية، فأربيل ليست بالنسبة إليه محطة اضطرارية، والنجف ليست وحدها المكان الذي يجد فيه نفسه، كما أن الجنوب ليس مساحة انتخابية تأتي أهميتها في موسم معين، هناك حضور في أكثر من مكان، وحوار مع أكثر من طرف، ومحاولة لأن يبقى العراق حاضراً بوصفه وطناً واحداً، لا مجموعة مناطق تبحث كل واحدة منها عن ممثلها الخاص.
المشكلة في التجربة السياسية العراقية بعد عام 2003 أن كثيراً من السياسيين ظلوا أسرى للبيئة التي ينتمون إليها، يتحركون في المناطق القريبة منهم، ويخاطبون جمهورهم قبل أن يخاطبوا الوطن، ومع الوقت ترسخت فكرة خطيرة، هي أن لكل منطقة خطاباً، ولكل مكون رسائله، ولكل جمهور مفتاحه الخاص، هكذا صار السياسي ينجح في مخاطبة جزء من البلد، لكنه يعجز عن بناء صورة مشتركة لكل البلد.
إن السياسي الذي يجلس مع من يختلف عنه، ويصغي إليه من دون حواجز، يساهم بمرور الوقت في تخفيف المسافة الطائفية بين العراقيين، وقد لا يظهر أثر ذلك سريعاً، لأن بناء الثقة بين مكونات المجتمع ليس قراراً يصدر في مؤتمر صحفي، وإنما تراكم طويل من المواقف.
الأجيال الجديدة تحديداً لا تنظر إلى العراق بالطريقة نفسها التي نظر بها جيل الصراعات الأولى بعد 2003، وهي تحتاج إلى نماذج سياسية تقول لها بالفعل، لا بالشعارات، إن أربيل والنجف والبصرة والموصل ليست عوالم منفصلة، وإن الاختلاف بينها جزء من طبيعة العراق وليس سبباً لتقسيمه.
لذلك يمكن فهم تجربة الحكيم في التواصل مع المحافظات المختلفة، على أنها تتجاوز النشاط السياسي المعتاد، إلى محاولة بناء علاقة أوسع مع المجتمع العراقي، والرسالة الأهم للحكيم.. أن الدولة لا يمكن أن تُبنى من منطقة واحدة، وأن العراق لا يمكن أن يستقر إذا بقي كل مكون ينظر إلى نفسه باعتباره جزيرة منفصلة عن الآخرين.
ربما لا يكون هذا النوع من العمل السياسي صاخباً بما يكفي ليتصدر الأخبار كل يوم، لكنه من أكثر الأعمال تأثيراً على المدى البعيد، لأن البلد لا يتوحد فقط بالقوانين والمؤسسات، وإنما يتوحد أيضاً حين يشعر أبناؤه أن السياسيين لا يرونهم على أساس المنطقة أو الطائفة، وإنما يرونهم مواطنين أولاً، أن الفرق بين رجل يريد أن يحكم العراق، ورجل يريد أن يجمع العراق، يمكن أن يظهر في شيء بسيط جداً.. أين يذهب؟ ومع من يجلس؟ وكيف يتحدث عندما يكون جمهوره مختلفاً؟
الحكيم.. في تجربته السياسية والاجتماعية، حاول أن يقدم نفسه للجميع، لا مع فئة واحدة، وهذه القيمة.. مهما اختلف الناس في تقييمها سياسياً، تبقى مهمة في بلد مثل العراق، لأن أكبر ما يحتاجه اليوم هو سياسي لا يرى الوطن من نافذة منطقته، ولا يقيس الناس بمقدار قربهم منه.
سيذكر التاريخ يوماً الفرق بين من حكم العراق، ومن حاول أن يجمعه، ولن يكون الفارق في عدد المؤتمرات ولا في كثرة التصريحات، وإنما في سجل الخطى، فيمن وصل إلى أطراف الوطن كما وصل إلى مركزه، وتعامل مع كل مدينة باعتبارها جزءاً من وطن واحد، لذلك لا تبدو أربيل والنجف في ذاكرة الحكيم مدينتين بعيدتين، بقدر ما تبدوان محطتين في خارطة واحدة.. خارطة أسمها العراق.