27 May
27May

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.
إن ما نشهده اليوم من أحداث وتحولات في العراق والمنطقة.. يؤكد ضرورة أن نستلهم المضامين العظيمة التي تحملها مناسبة عيد الأضحى المبارك في التضحية والإيثار والطاعة وتحمل المسؤولية.. وهي قيم لا يحتاجها الفرد وحده.. بل تحتاجها المجتمعات والأمم والدول في مسيرتها نحو الاستقرار والبناء الازدهار.
إن الأعياد ليست مناسبات للفرح فحسب .. بل هي محطات للتأمل والمراجعة واستحضار الواجبات الوطنية والإنسانية.. ولاسيما ما تشهده منطقتنا من تحديات وتحولات سياسية واقتصادية وأمنية متسارعة.
فالعراق اليوم أمام مسؤوليات كبيرة وفرص مهمة.. وبلدنا بحاجة إلى تضافر الجهود وتوحيد الطاقات.. وترسيخ الاستقرار السياسي.. وتعزيز الإصلاح الاقتصادي.. وحماية السلم المجتمعي.. بوصفها مرتكزات أساسية لبناء مستقبل أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا.
فبعد منح الثقة لحكومة الأخ علي الزيدي وتمرير الوجبة الأولى من الكابينة الحكومية.. وما نتطلع له من استكمال الكابينة الحكومية خلال الأيام القليلة القادمة إن شاء الله.. والتصويت على شخصيات كفوءة تحظى بقبول وطني ينسجم مع متطلبات المرحلة.. فإننا نجد من الضروري الإشارة إلى جملة من الرسائل المهمة والحساسة:
الرسالة الأولى/ إننا نؤكد دعمنا الكامل لكل عوامل النجاح التي تساعد الحكومة على تحقيق الإنجاز وتقديم الخدمة للمواطنين.. وحيث أن نجاح مؤسسات الدولة هو نجاح للعراق كله.. وتعزيز الاستقرار يمثل مسؤولية وطنية مشتركة للجميع.
فلابد من استكمال متطلبات البناء الحكومي.. وإنجاز الملفات المؤجلة.. واختيار الكفاءات القادرة على أداء المهمة بما ينسجم مع متطلبات المرحلة وتحدياتها.. ويعزز ثقة المواطن بمؤسساته.
إن حكومة الأخ الزيدي مسؤولة منذ اليوم الأول لتشكيلها عن ترسيخ الانطباع الإيجابي أمام الشعب والقوى السياسية في أهم ملفاتها وهو الملف الاقتصادي.. الذي أكدنا مرارا بأن يكون الأولوية القصوى لدى الحكومة في الإصلاح والانجاز.
إن التحديات الاقتصادية التي تواجه بلادنا والمنطقة تفرض علينا التفكير بمنهج مختلف أكثر جرأة وواقعية وتخطيطا للمستقبل.
لقد أثرت التوترات الإقليمية والاضطرابات الدولية على الاقتصاد العالمي.. والعراق جزء من هذا المشهد..
وهو ما يتطلب تعزيز خطط الإصلاح المالي.. وتطوير البنى التحتية.. وتأمين بدائل استراتيجية تدعم الاقتصاد الوطني وتحمي الاستقرار المالي.
فالمرحلة الحالية تفرض بناء أدوات حماية اقتصادية ومالية أكثر مرونة.. تعزز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.. وتؤمن حماية الاقتصاد الوطني من الصدمات والتقلبات المحتملة..
كما أن تنويع الاقتصاد لم يعد خيارا مؤجلا.. بل بات ضرورة وطنية.. فبناء الاقتصاد الحديث لم يعد يرتبط بالموارد التقليدية فحسب .. إنما بالاستثمار في المعرفة والتكنلوجيا والتحول الرقمي.. ودعم الطاقات الشابة والكفاءات الوطنية.. بما يعزز قدرة العراق على المنافسة وبناء اقتصاد أكثر استدامة..
الأمم القوية تبني اقتصادها على تعدد الموارد والاستثمار والإنتاج.. وتحويل الطاقات البشرية إلى فرص حقيقية للنمو والتنمية.
ولا يمكن الحديث عن الإصلاح الاقتصادي دون التأكيد على أهمية حماية المال العام.. ومكافحة الفساد..
وتعزيز الكفاءة والنزاهة وتطوير المؤسسات.. لأن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالشعارات والأفكار .. بل بالعمل الجاد والإدارة الرشيدة.
وفي هذا الإطار نؤكد أهمية دعم الفلاح والمزارع العراقي.. والإسراع في دفع مستحقاته وتوفير البيئة الداعمة للإنتاج الزراعي.. لأن الأمن الغذائي يمثل أحد أعمدة الأمن الوطني.. ولأن من يعمل في الأرض ويزرع الخير يستحق كامل الدعم والرعاية.
كما إن معاناة المواطنين مع ملف الكهرباء.. وبالأخص خلال أشهر الصيف تستوجب مضاعفة الجهود وتحمل المسؤوليات.. والعمل الجاد لمعالجة الاختناقات وتحسين ساعات التجهيز.. واعتماد آليات عادلة وشفافة في توزيع الطاقة بما يخفف معاناة المواطنين ويحفظ العدالة بين المحافظات.
الرسالة الثانية/ إن الاستقرار السياسي يمثل أساسا ضروريا لأي مشروع إصلاحي أو تنموي.. وإن القوى السياسية الوطنية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتغليب لغة الحكمة والحوار والتفاهم.. والابتعاد عن الخطابات التي تزيد الانقسام أو تؤسس لحالات الاحتقان.
الاختلاف السياسي أمر طبيعي.. وقد يكون مصدر قوة عندما يُدار بمسؤولية عالية.. لكن المهم أن يبقى الجميع تحت سقف المصلحة الوطنية العليا.. وأن يكون العراق حاضرا فوق كل الاعتبارات.
إن العراق لا يُبنى بالغلبة.. ولا ينهض بالاستقطاب.. ولا يستقر بالانقسام.. بل يُبنى بالشراكة الوطنية.. واحترام التنوع .. وترسيخ مفهوم الدولة العصرية العادلة التي يشعر الجميع فيها بالمواطنة والمسؤولية والانتماء.
لذا نؤكد على أهمية وحدة الصف الوطني.. ووحدة البيت الواحد وبالأخص وحدة الإطار التنسيقي الذي لم ينبثق من فراغ وإنما جاء تعبيرا عن إرادة سياسية ناضجة وادراك لمسؤولية الحفاظ على استقرار البلاد في ظروف بالغة الحساسية والتعقيد.
كما إن تعزيز حضور الدولة ومؤسساتها.. وترسيخ سيادة القانون.. وحماية النظام العام.. ودعم المؤسسات الدستورية.. تمثل جميعها ركائز أساسية لحماية الاستقرار الداخلي وبناء دولة قوية قادرة على أداء واجباتها تجاه مواطنيها.
الرسالة الثالثة/ إن منطقتنا اليوم بحاجة إلى الحكمة أكثر من أي وقت مضى.. وبحاجة إلى تغليب لغة الحوار والابتعاد عن منطق الحروب والتصعيد.. والعمل على بناء حلول عادلة ومستقرة تحفظ الحقوق وتصنع الأمن والاستقرار.
لقد دفع العراق وشعوب المنطقة أثمانا باهظة بسبب الحروب والصراعات.. ولذلك فإن مسؤوليتنا الأخلاقية والوطنية تحتم علينا دعم كل مسار يبعد شعوبنا عن التوتر والنزاع ويقربها من الاستقرار والتفاهم.
كما نؤكد موقف العراق الثابت في احترام سيادة الدول.. ورفض استخدام الأراضي العراقية منطلقا لأي اعتداء أو تهديد يمس دول الجوار أو استقرار المنطقة.. لأن العراق يريد أن يكون عنصر استقرار وتوازن وتعاون.. لا ساحة صراع أو تصفية حسابات.
وهنا نخاطب أشقاءنا وإخوتنا في محيطنا العربي والإسلامي.. ونقول لهم:
إن العراق يحمل رسالة خير وتعاون وتقديرٍ للجميع.. ويؤمن بأن استقرار المنطقة يتحقق عبر مسؤولية مشتركة.. وأن بناء الجسور بين الشعوب والدول هو الطريق الأقصر نحو مستقبل أكثر أمنا واستقرارا.
إن تاريخنا وديننا ومصيرنا واحد.. ولا يمكن أن ننهض من دون تكاتفنا ووحدتنا.. والعراق كان وما زال يعتز بهويته الدينية وعروبته وحضارته ومشتركاته المنبثقة من جذور انتمائه لهذه المنطقة.. ولا يمكن التنازل عنها أو تهديد وجودها مهما كانت التحديات.
الرسالة الرابعة/ إن ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة وتحديات أمنية متشابكة.. يفرض علينا جميعاً أن نكون أكثر وعيا واستعدادا لحماية استقرار بلدنا وتعزيز مناعته الداخلية.. فالأمن لا يُبنى بالمعالجات الآنية فقط.. بل يُبنى بالرؤية البعيدة.. وبالدولة القوية.. والمؤسسات الراسخة.. والمجتمع المتماسك المسؤول.
إن أمن العراق واستقراره مسؤولية وطنية مشتركة.. تتكامل فيها أدوار الدولة ومؤسساتها.. والقوى السياسية.. والنخب المجتمعية.. والإعلام الوطني المسؤول.. بما يعزز الثقة.. ويحمي السلم المجتمعي ويمنع محاولات العبث بأمن البلاد أو جرها إلى مسارات الفوضى والتوتر.
وفي هذا الإطار.. نؤكد أهمية دعم مؤسساتنا الأمنية بمختلف تشكيلاتها.. من الجيش والشرطة والحشد الشعبي والبيشمركة .. وتطوير قدراتها.. وتمكينها من أداء واجباتها الوطنية.. ومواصلة مواجهة الإرهاب.. والجريمة المنظمة.. وتجارة المخدرات.. وكل ما يستهدف أمن المجتمع ومستقبل أبنائنا.
كما أن التحديات الراهنة لم تعد عسكرية أو أمنية فقط.. بل باتت تشمل الحرب الإعلامية الممنهجة .. وحملات التضليل.. والاستهداف السيبراني.. ومحاولات بث الإحباط والانقسام داخل المجتمعات.. وهو ما يتطلب وعيا وطنيا جامعا.. يحصن مجتمعنا.. ويعزز ثقة المواطن بدولته ومؤسساته.
ونؤكد مجددا أن العراق يجب أن يبقى دولة استقلال واستقرار وتوازن.. وأن مصلحته الوطنية العليا تبقى فوق كل الاعتبارات.. وأن حماية العراق من تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية مسؤولية مشتركة تتطلب الحكمة ووحدة الموقف وتغليب منطق الدولة.. فالعراق لا يحميه التوتر .. بل تحميه الدولة.
وختاما نخاطب أبناءنا الطلبة الأعزاء.. ونقول لهم:
أنتم أمل العراق ومستقبله.. ومع بدء الامتحانات واقتراب الاستحقاقات الدراسية المهمة.. ندعو أبناءنا وبناتنا إلى الاجتهاد والمثابرة والثقة بالنفس.. كما ندعو الأسر العراقية الكريمة إلى توفير الأجواء المناسبة والدعم النفسي والمعنوي لأبنائهم.
كما ونؤكد أهمية دور المؤسسات التربوية والتعليمية في توفير بيئة امتحانية مناسبة وعادلة تبعث الطمأنينة والثقة لدى الطلبة وعوائلهم.. لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من بناء الإنسان أولا.
إن شباب العراق يمثلون الثروة الحقيقية للوطن.. وهم شركاء في صناعة المستقبل.. الأمر الذي يتطلب توفير الفرص الداعمة للإبداع والعمل والمبادرة.. وفتح المسارات أمام الطاقات الوطنية للمساهمة في بناء الدولة وتعزيز التنمية والاستقرار.
نسأل اللّٰه تعالى أن يحفظ العراق وأهله.. ومرجعياته الدينية ولاسيما المرجع الأعلى الإمام السيستاني (دام ظله الوارف).
وأن يرحم شهداءنا الأبرار .. ولاسيما الشهيدين الصدرين وسفير المرجعية وشهيد المحراب وعزيز العراق.
وأن يدفع البلاء عن بلادنا العربية والإسلامية..
إنه نعم المولى ونعم النصير ..
والسلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - الموقع الرسمي لتيار الحكمة الوطني