16 Jun
16Jun

بسم الله الرحمن الرحيم 

السلام عليك يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك وأناخت برحلك، عليكم منا جميعاً سلام الله أبداً ما بقينا وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وعلى حامل لواء الحسين أبي الفضل العباس، وعلى عقيلة بني هاشم جبل الصبر مولاتنا زينب (عليها وعليهم السلام جميعاً ورحمة الله وبركاته).

يا أبا عبد الله، قلبي لقلبكم سلم، وأمري لأمركم متبع، ونصرتي لكم معدة، حتى يأذن الله لكم.

أيها الإخوة والأخوات..

أيها الحسينيون..

يا أبناء سفير المرجعية وشهيد المحراب وعزيز العراق..

أيها الأهل والأصحاب والعشيرة، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

نجتمع اليوم لنحيي قضية كبرى غيّرت مسار التاريخ، وما زالت تصنع الوعي والكرامة والإصلاح، وترسخ معاني الحق في مواجهة الظلم والباطل والعدوان.

نجتمع اليوم تحت راية الإمام الحسين (عليه السلام) ومنهجه، ذلك المنهج الذي كلما اشتدت الظلمات ازداد وضوحاً، وكلما تعاظمت التحديات ازداد حضوراً، وكلما حاولت قوى الظلام أن تفرض منطقها يتجلى الحسين ليقول للأحرار في كل زمان:

إن الكرامة أغلى من الحياة، وإن الحق أقوى من الباطل، وإن الباطل مهما علا في عدوانه وظلمه فمصيره إلى الزوال.

فمحرم ليس مناسبة نستذكر فيها الماضي ثم نمضي، ومحرم ليس دمعة مجردة من الموقف، ومحرم ليس عاطفة منفصلة عن الواقع، إنه مدرسة متجددة تعلمنا كيف نقرأ حاضرنا، وكيف نصنع مستقبلنا، وكيف نتحمل واجباتنا أمام الله تعالى، وأمام أمتنا، وأمام وطننا.

في محرم نقف أمام السؤال الكبير:

أين نحن من الحق؟

وأين نحن من الواجب؟

وأين نحن من الإصلاح؟

وأين نحن من الدولة التي نريدها لأبنائنا وأجيالنا؟

في هذه الأيام الأليمة، نتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى المرجعية الدينية العليا، وإلى الحوزات العلمية، وإلى أبناء شعبنا العراقي الكريم، وإلى المؤمنين في العالم، بوفاة المرجع الديني الكبير سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض (رضوان الله تعالى عليه).

لقد علمتنا المرجعية الدينية أن الحكمة أقوى من الانفعال، وأن الحوار أقوى من القطيعة، وأن بناء الدولة أمانة وطنية وأخلاقية ودينية في آن واحد.

ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى استلهام هذا النهج؛ نهج الاعتدال والبصيرة وتحمل المسؤولية في مواجهة التحديات التي تعترض وطننا وأمتنا.

أيها الأحبة..

يا إخوة الدرب والمشروع والهمة..

حين نقول في زيارتنا للإمام الحسين (عليه السلام): «وأمري لأمركم متبع»، فإننا لا ننطق كلمات عابرة، بل نجدد عهداً ومسؤولية وموقفاً.

فأي أمر أمرنا به الحسين؟

وأي طريق أراده لنا الحسين؟

وأي طاعة ارتبطت بمنهج الحسين؟

إن الحسين (عليه السلام) لم يطلب من أتباعه أن يكونوا شهوداً على كربلاء فحسب، بل طالبهم أن يكونوا امتداداً لمدرسة عاشوراء في كل مكان وزمان.

أن يكونوا مع الحق حتى إذا قل أنصاره، ومع المظلوم مهما تكاثرت عليه خصومه، ومع الإصلاح مهما تنوعت المغريات، ومع الوطن مهما تكالبت عليه الفتن.

«لأمركم متبع» تعني أن نتبع الحسين في الموقف والكلمة، وأن نتبع الحسين في ظروف الشدة والتحديات، وأن نتبع الحسين مهما كلفتنا التضحيات، وأن نجعل من قيمه منهجاً لبناء أنفسنا وأسرنا ومجتمعنا ودولتنا.

فالحسين أرادنا أن نسير خلفه في طريق الوعي والإصلاح والكرامة.

لقد كانت كلمة الإمام الحسين (عليه السلام) واضحة وصريحة حين قال: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله». إنها كلمة تختصر فلسفة النهضة الحسينية بأكملها، فالحسين لم يكن بحاجة إلى سلطة، ولم يكن باحثاً عن مكسب أو موقع، بل طلب الإصلاح.

والإصلاح هو القيمة التي نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى، نحتاجها في بيوتنا، ونحتاجها في مؤسساتنا، ونحتاجها في مجتمعاتنا، ونحتاجها في بلداننا وفي عالمنا بأسره.

لقد علمنا الإمام الحسين (عليه السلام) أن خطر الأمم ليس في قلة الإمكانات، بل في غياب المسؤولية، وأن خطر المجتمعات ليس في حجم التحديات، إنما في الهروب من الواجب والمسؤولية.

وأن الخطر على الدولة لا ينحصر بوجود الأزمات، إنما يكمن في غياب الإرادة في مواجهتها، ولهذا كانت عاشوراء مدرسة للموقف، ومدرسة للواجب، ومدرسة للإصلاح.

أيها الإخوة والأخوات..

إن اجتماعكم اليوم ليس مجرد حضور فحسب، بل هو رسالة وفاء، ورسالة وعي، ورسالة ثبات وإصرار وعزيمة.

فالرجال والنساء والشيوخ والأطفال الذين يقطعون المسافات الطويلة، ويتحملون مشقة السفر وسط حرارة الصيف اللاهب، ويجتمعون على محبة الإمام الحسين (عليه السلام)، هم الذين يثبتون أن الانتماء الحقيقي لا تصنعه ظروف الرخاء، بل تصنعه القناعة الراسخة والإرادة الصادقة.

لقد علّمنا الإمام الحسين (عليه السلام) أن المؤمن لا يغيّر موقفه أمام العواصف، وأن صاحب الرسالة لا يساوم على مبادئه عندما تشتد الضغوط، وأن تمسكه بمنهج الحق يزداد أمام مواجهة التحديات والمصاعب.

قد تختلف الظروف، وتتغير المعادلات، وتتبدل المواقف، لكن المبادئ لا تتغير، والوفاء لا يتغير، والانتماء الصادق لا يتغير أبداً.

ومن هنا نقول بوضوح:

إن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمسؤوليات، ولا تُبنى بالخطب الرنانة والتمنيات، ولا تُبنى بتبادل الاتهامات، بل تُبنى حين يتحمل كل مواطن، وكل مؤسسة، وكل مسؤول، واجبه الوطني والأخلاقي.

لهذا كنتم وما زلتم أوفياء لمشروعكم، صادقين مع شعبكم، واعين ومدركين للمخاطر والتحديات التي تحيط ببلدكم، وهو ما يجعلنا نثق بقدرتكم على تحقيق ما نصبو إليه من رضا الله وخدمة أهلنا وشعبنا.

أنتم الأهل والسند والعشيرة، وعليكم المعول بعد الله سبحانه وتعالى في حفظ الحقوق، وبناء الدولة، وصون الكرامة.

أيها الإخوة والأخوات..

لم تكن كربلاء معركة بين جيشين، بل كانت مواجهة بين مشروعين؛ مشروع يريد للإنسان أن يكون حراً كريماً واعياً مسؤولاً، ومشروع يريد للإنسان أن يكون تابعاً خائفاً مستسلماً وخانعاً.

ولهذا لم يكن الإمام الحسين قائداً لثورة عابرة، بل مؤسس مدرسة إصلاح خالدة، ومنارة شاهدة بالحق للأجيال عبر الأزمان.

والحديث عن الإصلاح يقودنا بطبيعة الحال إلى الحديث عن الدولة.

فالدولة ليست مجرد هياكل ومؤسسات، وليست مجرد سلطات وإدارات، بل هي الإطار الجامع الذي يحفظ الحقوق، ويصون الكرامة، ويرسخ العدالة، ويوفر الأمن والاستقرار.

وكلما كبرت الأمانة، كبرت معها الحاجة إلى دولة قوية وعادلة وقادرة.

ونحن لا نبحث عن دولة تكون قوية على المواطن، بل عن دولة قوية لخدمة المواطن.

ولا نبحث عن دولة تخيف الناس، بل عن دولة يشعر الناس فيها بالأمان والثقة والاطمئنان.

ومن هنا فإن تعزيز هيبة الدولة، وترسيخ سلطة القانون، وتمكين المؤسسات من أداء واجباتها، يمثل واجباً وطنياً لا يحتمل التأجيل.

لا مستقبل لدولة ضعيفة، ولا دولة قوية من دون قانون، ولا قانون نافذاً من دون إرادة وطنية مسؤولة.

أيها الإخوة والأخوات الكرام..

لقد مرّ بلدنا بتحديات وأزمات جسام خلال العقود الماضية، وواجه تحديات إقليمية ودولية حساسة أرادت أن تجر العراق إلى ساحات الصراع والمواجهة، لكن العراق بقي واقفاً وثابتاً على مبادئه وقيمه من دون الدخول في اصطفافات وتخندقات مثيرة ومريبة.

لقد بقي ثابتاً لأن أبناءه تمسكوا بوحدتهم، ولأن فيه رجالاً ونساءً رفضوا الانكسار والاستسلام، وإن إرادة الحياة فيهم كانت أقوى من إرادة الخراب والدمار.

واليوم ونحن نستذكر الإمام الحسين (عليه السلام)، فإن مسؤوليتنا الشرعية والوطنية تحتم علينا أن نحافظ على استقرار بلدنا، وأن ندعم مؤسسات الدولة، ونغلق أبواب الفتن، ونمنع أية محاولة لإعادة العراق إلى دوامة الصراع والانقسام.

فالهوية الحسينية هي الهوية العراقية الجامعة بكل معانيها وقيمها الإسلامية والإنسانية، ولا بد أن تترجم إلى واقع وسلوك عملي لنا جميعاً.

إن العراق يحتاج اليوم إلى مزيد من الحكمة، ومزيد من الحوار، ومزيد من التكاتف الوطني.

يجب أن نغلب المصلحة العامة على المصالح الخاصة، ويجب أن نجعل خدمة المواطن هدفاً لكل جهد سياسي وإداري واجتماعي ناهض، ولن يكون ذلك من دون وعي سياسي وطني حقيقي من قبل الجميع.

لقد أراد أعداء العراق إشغالنا بصراعات داخلية واصطفافات دولية على حساب الحق والثوابت، وأرادوا بث الفتنة في صفوف البيت الواحد تحت ذرائع واهية وحجج باطلة، وسعوا بكل ما لديهم من قوة في زعزعة الثقة بين العراق ومحيطه العربي والإسلامي، وبالأخص دول الجوار.

ولكنهم خسروا الرهان مثل كل مرة، ولن يستطيعوا ذلك مهما كانت الظروف، فشعب العراق وقياداته السياسية مدركة جيداً لخطوات العدو ومآربه الخبيثة، وإن التفاف شعبنا حول مرجعيته الدينية العليا في النجف الأشرف متمثلة بالإمام السيستاني (دام ظله الوارف) كان وسيبقى الحصن الحصين لبلدنا وشعبنا وأهلنا.

ومن هنا نود الإشارة إلى جملة من الأمور:

أولاً: لقد أكدنا على ضرورة دعم مسارات الدولة وتعزيزها، ونجدد التأكيد ثانية على أهمية هذا الدعم، فالتحديات كبيرة والظروف المحيطة بالعراق حساسة ومعقدة، وهو ما يتطلب تكاتفاً من قبل الجميع في سبيل تحقيق نتائج ملموسة وإجراءات إصلاحية حقيقية وسريعة.

إن التطور السياسي الحاصل في العراق اليوم لا بد أن يستمر ويرسخ معالم الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، ويجب عدم التسامح مع أي شيء يعيق ذلك مهما كانت المبررات أو التحديات.

وقد قام الإطار التنسيقي بخطوة مهمة في دعم الأخ الزيدي بإجراء الإصلاحات المطلوبة، وخاصة في المجال الاقتصادي واعتباره أولوية قصوى في برنامجه الحكومي الذي صوت عليه مجلس النواب.

ومن هنا فإننا نجدد دعمنا الكامل لحكومة الأخ الزيدي، ونؤكد أن نجاحها هو نجاح للعراق، وأن تمكينها من تنفيذ برنامجها الإصلاحي والتنموي والخدمي يمثل مسؤولية وطنية مشتركة.
ونأمل أن تكون هذه الحكومة حكومة إنجاز وإصلاح وتنمية تليق بتطلعات العراقيين.

فنحن لا نريد حكومة تدير الأزمات، بل نريد حكومة تصنع الحلول. ولا نريد حكومة تكثر الوعود، بل نريد حكومة تراكم الإنجازات. ولا نريد حكومة تؤجل المشكلات، بل نريد حكومة تمتلك الشجاعة في مواجهتها ومعالجتها.

نقولها بوضوح: إن مشاركتنا في الحكومة ليست مكسباً سياسياً، بل تكليف وواجب ومسؤولية.

ومن هنا فإننا نوجه أبناءنا وإخواننا الذين يتحملون المسؤوليات التنفيذية في الحكومة والمحافظات ومؤسسات الدولة، ولا سيما وزراءنا ومحافظينا والمسؤولين التنفيذيين، إلى أن يكونوا النموذج العملي للرؤية الإصلاحية التي نحملها.

نريدهم أن يكونوا الأقرب إلى الناس، والأسرع في الإنجاز، والأشد التزاماً بالقانون، والأكثر حرصاً على المال العام، والأوضح في مواجهة الفساد، والأجرأ في اتخاذ القرار الصحيح.

فالمواطن لا يحاكم الشعارات، بل يحاكم الأداء، ولا يقيس النوايا، بل يقيس النتائج.

وفي النهاية فإن الشعب هو الحكم العادل، هو الذي يراقب، وهو الذي يقيم، وهو الذي يمنح ثقته لمن يخدمه ويحقق تطلعاته، وهو الذي يحاسب المقصر والمتهاون والمتراجع عن واجبه. وهذا هو جوهر العملية الديمقراطية، وهذا هو الطريق الصحيح لترسيخ ثقافة الإنجاز والمساءلة.

ثانياً: إن جميع القوى السياسية أكدت على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، فإذا كانت أولوية الأمس حماية الدولة من الانهيار، فإن أولوية اليوم هي استكمال بناء الدولة وترسيخ قوتها واستقرارها.

ومن هنا نؤكد أن قوة الدولة لا تكتمل إلا عندما يكون قرارها واحداً وسلاحها واحداً، وأن حصر السلاح بيد الدولة ليس استهدافاً لأحد، ولا انتقاصاً من تضحيات أحد، بل هو أحد أركان بناء الدولة المستقرة والقادرة.

نثمن كل المواقف الوطنية المسؤولة التي أبدت استعدادها للتجاوب مع هذا المسار الوطني المهم.

ونؤكد أن الحكمة والحوار والتفاهم هي الطريق الأمثل لمعالجة هذا الملف، بما يحفظ التضحيات، ويعزز قوة الدولة، ويطمئن جميع العراقيين.

إن هذه الإجراءات لا تعني التفريط بمؤسسات الدولة وتشكيلاتها العسكرية، وأبرزها الحشد الشعبي، الذي يتمتع بحصانة قانونية وأهمية وطنية قصوى، فتضحيات شعبنا ودماء شبابنا ما زالت مطرزة في صدور أبناء هذا التشكيل المبارك، ولن نسمح باستهدافه أو التقليل من قيمته مهما كانت الظروف أو التحديات.

ثالثاً: إن منطقتنا تمر بظروف بالغة الحساسية، فالحروب المشتعلة، والصراعات المفتوحة، والتوترات المتزايدة، لا تهدد دول المنطقة وحدها، بل تهدد الأمن والسلم العالمي.

وإننا نجدد دعوتنا إلى إيقاف التصعيد في المنطقة، وتغليب لغة العقل والحوار، والابتعاد عما يؤدي إلى المزيد من سفك الدماء والدمار. إن شعوب المنطقة تستحق التنمية بدل الحروب، وتستحق الاستقرار بدل الفوضى، وتستحق الحياة الكريمة بدل الصراعات المستمرة.

وفي الوقت الذي تعيش فيه منطقتنا سنوات طويلة من التوتر والصراعات والحروب، فإننا ننظر بعين التقدير إلى كل خطوة من شأنها أن تبعد شبح المواجهة عن شعوب المنطقة، وأن تفتح أبواب الحوار والتفاهم بين الدول والقوى المؤثرة فيها.

ومن هذا المنطلق نرحب بالتفاهم الذي أعلن عنه بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، ونعدّه خطوة مهمة في اتجاه خفض التوتر وتجنيب المنطقة مزيداً من الأزمات والصراعات التي دفعت شعوبها أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها وتنميتها.

كما نؤكد وقوفنا مع حقوق الشعوب المظلومة، ورفضنا لكل أشكال العدوان والاحتلال والظلم أينما كان، وبالأخص في فلسطين ولبنان واليمن، وكذلك نؤكد وقوفنا وإسنادنا للشعب الإيراني المسلم.

فالحسين علّمنا ألا نسكت على الظلم، وألا نقف موقف المتفرج أمام معاناة المظلومين، وأن شعار «هيهات منا الذلة» كان وسيبقى يصدح في حناجرنا إلى اليوم الذي يأذن الله فيه بتسليم راية الحق إلى صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

رابعاً: إننا أمام متغيرات كبيرة في موازين القوى في العالم والمنطقة، وأن العراق ليس ببعيد عن هذا التحول الكبير الذي بدأت ملامحه تتشكل يوماً بعد آخر، وفي هذا المفصل الدقيق يقع على النخب الفكرية والمجتمعية والقيادات السياسية والتنفيذية أن تدرك جيداً مآلات هذا التحول وكيفية مواجهة الآثار المترتبة على أمن العراق واقتصاده ومستقبل ثرواته.

يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي أمام هدر الطاقات والأموال، ويجب ألا نسمح بالتعدي على مسارات الدولة وسياستها الخارجية، وألا نعطي للعدو أي ثغرات تستهدف أمننا ومصالح بلدنا، وأن نكون يقظين متهيئين على الدوام، فالتحديات صعبة، والمخاطر كبيرة، والعدو متربص.

ومن هنا فإن واجبنا الوطني يقتضي أن نحافظ على العراق، وأن نصون قراره الوطني المستقل، وأن نجعل مصلحته العليا هي البوصلة التي توجه مواقفنا وسياساتنا وعلاقاتنا.

لقد دفع العراقيون أثماناً باهظة بسبب الحروب والأزمات والصراعات، ودفعوا من دمائهم وأعمارهم ومستقبل أجيالهم الكثير، ولذلك فإن من حقهم أن ينعموا بالأمن والاستقرار والتنمية، ومن واجبنا جميعاً أن نحافظ على هذه المكتسبات، وألا نسمح بإهدارها أو التفريط بها.

إن العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الصراعات، بل يحتاج إلى مزيد من الحكمة، ولا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، بل يحتاج إلى مزيد من التكاتف والوحدة، ولا يحتاج إلى مزيد من الخطابات المتشنجة، بل يحتاج إلى مزيد من الحوار والتفاهم والشراكة.

إن العراق أكبر من خلافاتنا، وأكبر من حساسياتنا، والعراق أكبر من مصالحنا السياسية، وأكبر من أن يُختزل في مكوّن أو حزب أو جماعة.

العراق وطن الجميع، وبناؤه مسؤولية وواجب مشرّف، ومستقبله لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه.

العراق الذي انتصر على الإرهاب قادر على أن ينتصر على الفساد، والعراق الذي تجاوز المحن قادر على أن يتجاوز التحديات، والعراق الذي صنع الأمل في أصعب الظروف قادر على أن يصنع المستقبل لأبنائه.

العراق اليوم بأمسّ الحاجة إلى الحسينيين الذين يحملون فكر الحسين وروحه، العراق بحاجة إلى بناة الدولة كما هي نهضة الحسين، العراق بحاجة إلى الذين يحفظون الوطن كما حفظ الحسين الكرامة.

أيها الإخوة والأخوات..

إن أخطر ما تواجهه الأمم هو اليأس الذي يتسلل إلى النفوس ويزعزع الثقة بالمستقبل.

أما نحن فأبناء مدرسة الحسين (عليه السلام) التي تردد على مر العصور والدهور أن الدم ينتصر على السيف، وأن القلة المؤمنة تصنع التحول الكبير، وأن الإصلاح يبدأ بخطوة ثم يكبر حتى يصبح مشروع أمة.

لا تسمحوا لليأس أن يتسلل إليكم، ولا تنظروا إلى التحديات بمعزل عن الفرص، ولا تركنوا إلى تجار الوهم والإشاعات المضللة.


انظروا إلى المستقبل بثقة كاملة بالله سبحانه وتعالى، وثقوا بشعبنا وبشبابنا، وبقدرة العراق على أن يكون بلداً قوياً مزدهراً وآمناً، يؤدي دوره الحضاري والإنساني في محيطه العربي والإسلامي بثقة واقتدار.

أيها الأحبة، في هذا اليوم العظيم ومع إطلالة شهر الحسين (عليه السلام)، نجدد العهد بأن نبقى مع الحق حيثما كان، وأن نبقى أوفياء لقيمنا ومبادئنا، حاملين خدمة الناس شرفاً ومسؤولية، وأن يبقى العراق حاضراً في وجداننا وقراراتنا ومواقفنا، وتبقى كربلاء منارة نهتدي بها كلما اشتدت الفتن والتحديات.

فالحسين (عليه السلام) لم يكن مشروع مواجهة فحسب، بل كان وسيبقى مشروع إصلاح دائم. لم يعلمنا كيف نرفض الانحراف فحسب، بل علمنا كيف نبني البديل الصحيح، ولم يورثنا ثقافة الاعتراض فحسب، بل أورثنا ثقافة المسؤولية.

وكما حمل الإمام الحسين (عليه السلام) أمانة الإصلاح في زمانه، فإن مسؤوليتنا أن نحمل أمانة الإصلاح في زماننا؛ مسؤوليتنا أن نبني الدولة، وأن نحمي وحدتها، وأن نخدم أبناءها، وأن نحفظ مستقبل أجيالها.

ولهذا نؤكد مرة أخرى أن الدولة لا تُبنى بالشعارات بل بالمسؤوليات، ولا تزدهر بالكلمات بل بالمنجزات، ولا تقوى بالمواقف الآنية بل بالرؤية والصبر والعمل المتواصل.

إن الإصلاح لا يكتمل إلا بالدولة، والدولة لا تستقيم إلا بالمسؤولية. وهذه هي الرسائل التي نتعلمها من عاشوراء، وهذه هي الأمانة التي نحملها تجاه العراق، وهذا هو الطريق الذي ينبغي أن نسير فيه جميعاً من أجل وطن مستقل ومستقر ومزدهر.

ونسأل الله تعالى أن يحفظ العراق وأهله، وأن يحفظ شعبنا وبلادنا من الفتن والمحن، وأن يحفظ مراجعنا العظام ولا سيما المرجع الأعلى الإمام السيد السيستاني (دام ظله الوارف)، وأن يرحم شهداءنا الأبرار وقادة الانتصار والشهيدين الصدرين وسفير المرجعية وشهيد المحراب وعزيز العراق، وأن يبعد المكروه عن شبابنا وبلادنا العربية والإسلامية.

إنه نعم المولى ونعم النصير.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - الموقع الرسمي لتيار الحكمة الوطني