07 Jan
07Jan

بسم اللّهِ الرحمن الرحيم
الحمد لله ربَّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا ونبيِّنا محمد، وعلى آله الطاهرين، وصحبه المنتجبين.
السادةُ الأفاضل، السيداتُ الكريمات، الإخوةُ والأخوات..
السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاته.
يسرّني أن نكون معاً في هذه المناسبة الوطنية العزيزة، لنتشارك الاحتفاء بجيشنا العراقي الباسل ، جيشِ الدولةِ والوطن, جيش السيادةِ والكرامة. وأتقدّم بالشكر والتقدير إلى الإخوة والأخوات في مجلس إدارة (نادي الصيد) على اهتمامهم بهذه المناسبة وحفاظهم على هذا التقليد الوطني في ذكرى تأسيس الجيش من كل عام مما يؤكد وفاء المؤسسةِ المجتمعيةِ لمؤسسةِ الدولة، وتفاعلَ المجتمع مع مثاباته و رموزه الوطنية الجامعة.
أيها الأحبة ..
حين نستعرض صورًا مركّزةً عن تاريخ الجيش العراقي ومحطّاته المشرفة ، وتضحياته وأدواره. فإنه ليس من السهل اختزالُ قرنٍ من التجربة العسكرية في هذه الوقفات ، لكن من المفيد أن نستعيد هذه الصور لنقرأ ما وراءها وما تقدمه من إجابات و دروس كبيرة.
كيف تشكّلت شخصية الجيش العراقي؟ وما الذي ينبغي أن نفعله كي يظلّ حصنًا للوطن، وسندًا للدستور، وضمانةً للاستقرار؟
إنّ الجيش العراقي بتاريخه الطويل ليس مجرد تشكيل مسلّح، بل هو ذاكرةُ دولةِ وتجربةُ وطن؛ ومسيرة مرت بمراحل تأسيس وبناء، وسفرٌ تعرّض لتقلبات السياسة والحروب والتحديات ، لكنه ظلّ في جوهره مرتبطًا بتراب العراق وهوية العراقيين. وقد شارك عبر تاريخه في الدفاع عن قضايا الأمة، وأسهم بعزة وشموخ  في ميادين عربية وإسلامية مختلفة، وكانت له مواقف مشهودة في نصرة فلسطين، وفي الاستجابة لواجبات المساندة والتضامن حين كانت المنطقة تعيش ظروف الصراع والتحوّلات.
ثم جاءت السنوات القريبة ما بعد 2003، بما حملته من تحدياتٍ وعواصف قاسية، فوجدنا أنفسنا أمام تهديدٍ إرهابي واسع، حاول أن يقتلع الدولة من جذورها، ويكسر روح المجتمع، ويصادر مستقبل الأجيال. وفي تلك المحطات العصيبة، نهض الجيش العراقي، ومعه تشكيلات قواتنا المسلحة والأجهزة الأمنية وحشدنا الشعبي والبيشمركة ، ليواجه الخطر المحدق وجهاً لوجه. وكانت المعركة أكثر من مواجهة ميدانية؛ كانت دفاعًا عن وجود الشعب والهوية والنظام العام، وذوداً عن حق العراقيين في أن يعيشوا بأمان، ويحفظوا دولتهم ودستورهم.
لقد قدّم جيشنا في معارك مكافحة الإرهاب نموذجًا في الصبر والتماسك وإعادة بناء القدرات، وانتقل من مرحلة التحدي إلى مرحلة المبادرة، حتى تحققت الانتصارات التي نفخر بها جميعًا، ولم تكن لتتحقق لولا دماء الشهداء، وتضحيات الجرحى، وسهر المقاتلين ، وإسناد عوائلهم ومؤازرتهم. إنّ من أهم ما يميّز المؤسسة العسكرية أنها تدفع أثمانًا باهظةً وتقدم تضحيات كبرى كي نحيا نحن حياةً طبيعية، ولذلك فإن الحديث عن الجيش لا ينبغي أن يبقى في دائرة الشعارات، بل يجب أن يتحوّل إلى التزامِ أخلاقي وسياسي وتشريعي بحقوق المقاتلين وعوائلهم.
أيها الكرام،
يمتلك الجيش العراقي اليوم تنوّعًا مؤسسيًا واضحًا في صنوفه وتشكيلاته: قوات برية، وقوة جوية، وبحرية، وطيرانُ الجيش، والدفاع الجوي، وتشكيلاتٌ تخصصية أخرى. وهذا التنوع ليس عنوانًا للفخر فقط، بل هو مؤشر على أن بناء القوة الحديثة يحتاج إلى تكامل بين السلاح والخبرة والإدارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فالحروب تغيّرت، ولم تعد معادلة القوة تقوم على العدد والكثرة ، بل على النوع، والاحتراف، والجهوزية ، وسرعة الاستجابة, ودقة المعلومة.
ومن هنا، إذا أردنا أن نعزّز مكانة جيشنا، ونضمن أداءه الدستوري في حماية الوطن وحفظ النظام الديمقراطي وصيانة السيادة، فلا بدّ من مجموعة مساراتٍ أساسية، نذكرها هنا بإيجاز:
أولًا: ترسيخ العقيدة العسكرية الوطنية الدستورية..
إذ تبدأ قوة الجيش من وضوح وظيفته ومعنى انتمائه: فهو جيش للعراق كلّه، وللمواطنين جميعاً ، لا يُقصي أحدًا ولا يُستعمل ضد أحد. جيش يستند الى عقيدةٌ ترفع قيمة الإنسان، وتلتزم بالدستور، وتؤمن بأنّ السلاح شرفٌ ومسؤولية، وأَنّ حماية الدولة لا تنفصل عن حماية المجتمع.
ثانيًا: بناء قرار تسليحي سيادي عبر تنويع مصادر القوة..
إن الاعتماد على مصدر واحد يضعف القرار، ويجعل الإدامة والصيانة والتحديث رهينة للظروف السياسية. والتنويع لا يعني التشظي ، بل يعنّى إدارة ذكية للعقود والتدريب والقطع الاحتياطية، بحيث يبقى القرار العسكري مستقلاً.
ثالثًا: تحديث منظومة الدفاع الجوي وحماية الأجواء..
لا سيادةً مكتملةً من دون سيطرةٍ على المجال الجوي. ومع تطوّر التهديدات، من طائراتٍ مسيّرة وصواريخ دقيقة وقدرات تشويش، يصبح الدفاع الجوي ملفًا استراتيجيًا يتطلب رؤيةً مسؤولة وتمويلًا وتدريبًا وبرامج متطورة و أولويات.
رابعًا: الاستثمار في التدريب النوعي والتأهيل المستمر..
الجيش الحديث هو الذي يتعلم كل يوم. والتدريب ليس موسمًا، بل هو ثقافة. نحتاج إلى مناهج متجددة، وتجارب مشتركة، ومراكز محاكاة، وإعادة قراءة للدروس المستخلصة من المعارك، كي لا تتكرر الأخطاء، وكي يتحوّل تراكم التجربة إلى معيار ثابت.
خامسًا: تعزيز القيادة والسيطرة والاتصالات..
في زمن السرعة، يصبح تنظيم القرار أهم من القرار نفسه. شبكات قيادة وسيطرة موثوقة، واتصالات آمنة، وربطُ بين القطعات، واجراءات تقلّل الفوضى وتزيد الفاعلية وتمنع الارتجال في اللحظات الحرجة.
سادسًا: تطوير القدرات السيبرانية والحرب الإلكترونية..
المعركة اليوم ليست في الأرض وحدها؛ هناك حرب على الاتصالات، وعلى البيانات، وعلى البنى التحتية مما يحتم مضاعفة الجهود في بناء وحدات متخصصة في الأمن السيبراني والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ، وتحصين المنظومات، إذ باتت هذه الخطوات جزءًا من مهام حماية الجبهة الداخلية وحماية القوات في الميدان.
سابعًا: مكافحة الفساد والعبث الإداري داخل المؤسسة العسكرية..
إن الفساد يسرق من الجندي قبل أن يسرق من الدولة؛ يضعف التسليح، ويشوّه الإدامة ويضرب المعنويات ، ويخلق فجوة بين المؤسسة والشعب. نحتاج إلى رقابة صارمة، وتعاقدات شفافة، ومسارات مساءلة واضحة، وثقافة نزاهة لا تتسامح مع التجاوز والإخفاق.
ثامنًا: دعم التصنيع العسكري والصيانة المحلية وبناء سلسلة إمداد وطنية.. فليس الهدف صناعة كل شيء دفعة واحدة، بل بناء قاعدة واقعية: عبر ورش متقدمة، ومصانع تخصصية، وشراكات مدروسة، ونقل للمعرفة، بحيث يقل الاعتماد على الخارج تدريجيًا، ويتحوّل الإنفاق الدفاعي إلى محرّكٍ للاقتصاد الوطني.
تاسعًا: تعميق التكامل بين الجيش وبقية صنوف المنظومة الأمنية..
فقواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية تتعدد عناوينها واختصاصاتها: من الشرطة الاتحادية، وقوات مكافحة الإرهاب، وقوات التدخل السريع، والحشد الشعبي، والبيشمركة، وغيرها. والمطلوب هو تنسيقٌ مؤسسي يضمن توزيع الأدوار، وتوحيد الهدف، وتكامل المهام ومنع التداخل المُربك، على أن يبقى الجيش محورًا جامعًا في منظومة الدفاع عن سيادة العراق.
عاشرًا: تحديث منظومة الاستخبارات العسكرية والإنذار المبكر..
فالحروب الحديثة "حروب معلومات". والتفوق الاستخباري يمنع الكارثة قبل وقوعها. ويعزز الحاجة إلى دمج المصادر، وتحليل متقدم للبيانات ، وتعاون مؤسسي، وتوظيف لأدوات التكنولوجيا في جمع الإشارة وتدقيق المعلومة، لأن الوقاية خيرٌ من العلاج المتأخر.
حادي عشر: رعاية المقاتلين وعوائلهم والجرحى والأشخاص ذوي الاعاقة من المحاربين..
فالجيش لا يُبنى بالسلاح فقط، بل بالإنسان. عبر مراعاة السكن والخدمات الصحية والتأهيل النفسي، ودعم عوائل الشهداء، وبرامج إعادة تأهيل الجرحى ودمجهم في الحياة والعمل، وهي ليست ملفات ثانوية ؛ إنها صيانةٌ لكرامة المقاتل وتعزيزٌ لثباته ومعنوياته.
أيها الأعزاء..
إنّ الروح الوطنية والانضباط والاحتراف ليست شعارات تُرفع فحسب ، بل سلوكٌ يومي يتجسد: في احترام القانون، وفي حفظ حقوق المواطنين، والالتزام بالأوامر ضمن الضوابط المؤسسية ، وفي أن يكون السلاح للدولة وحدها وبمنطق الدولة وحدها. وحين يكون الجيش محترفاً قويًا ، نظيفًا بنزاهته، سليماً بعقيدته، متطورًا بتقنيته وأدواته ، فإنّه يصبح الضمانة الأوثق لاستقرار العراق، وصون تجربته الدستورية، وحماية وحدته وتعدده في آن واحد.
أجدد شكري لكم جميعًا على حضوركم ومشاركتكم، وأترحم على شهدائنا الأبرار من أبناء الجيش وجميع قواتنا المسلحة ، و أسأل اللّٰه الشفاء العاجل لجرحانا، والحفظ لعراقنا وشعبنا ومرجعيتنا العليا ، وأن يبقى جيشنا العراقي سورًا للوطن ورايةً للدولة.
 والسلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2026 جميع الحقوق محفوظة - الموقع الرسمي لتيار الحكمة الوطني