بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، وصلى اللّٰه على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
السلام على شهيد المحراب الخالد...السلام على سفير المرجعية العلامة الشهيد السيد محمد مهدي الحكيم...السلام على عزيز العراق...السلام على كل قطرة دمٍ أريقت في سبيل الله ومن أجل أن يبقى العراق عزيزًا حرًّا كريمًا...
أيها الإخوة والأخوات... يا أبناء هذا الخط الرسالي الأصيل...نقف اليوم في رحاب الخامس من شهر رمضان، لا لنستحضر ذكرى عابرة في سجل الزمن، بل لنستعيد معنىً حيًّا متجددًا في وجدان العراق... فهو معنى التضحية حين تكون في سبيل الوطن، ومعنى القيادة حين تكون تكليفًا لا تشريفًا، ومعنى الثبات حين تضطرب المواقف وتتبدل الوجوه.نقف عند سيرة قائد لم يكن عنوانا لحزبٍ أو مرحلة، بل كان مشروعًا لوطن...نقف عند ذكرى الراحل السيد عبد العزيز الحكيم (قدس سره) ، الرجل الذي عاش للعراق، وصبر للعراق، ومضى إلى ربه وهو يحمل همَّ العراق في قلبه وعقله وروحه.
لقد علّمنا عزيز العراق أن السياسة ليست صراع مواقع، بل هي مسؤولية وأمانة،،وعلّمنا أن المرجعية ليست شعارًا يُرفع، بل بوصلة يُهتدى بها،،وعلّمنا أن وحدة العراق ليست مصلحة عابرة، بل قدرًا تاريخيًا وأخلاقيًا لا يجوز التفريط به.وفي هذه الذكرى، لا نستحضر إسمه فحسب، بل نستحضر منهجه و رؤيته.لا نستعيد مواقفه فحسب، بل نستلهم روحه التي كانت ترى في كل أزمة فرصة، وفي كل جرح طريقًا إلى النهوض، وفي كل اختلاف مساحةً للحوار لا ساحةً للقطيعة.
أيها الأحبة ..إن استذكار عزيز العراق اليوم هو استذكار لمرحلةٍ تأسيسية في تاريخ بلدنا، ووقفة مسؤولة لمراجعة أنفسنا قبل أن تكون وقفة حنين إلى الماضي القريب ؛ لأن الوفاء الحقيقي للقادة الكبار لا يكون بالرثاء فحسب ، بل بالسير على خطاهم، وحماية المعاني التي ضحوا من أجلها.لقد كان عزيز العراق متوكلاً على اللّٰه في قراراته ومواقفه، يستمدّ من إيمانه قوة الثبات، ومن يقينه طمأنينة القرار.لم يكن يتعامل مع السياسة بوصفها لعبة مصالح، بل كان يراها ساحة ابتلاء ومسؤولية، وكان يؤمن أن من توكّل على اللّٰه كفاه، وأن من صدق مع اللّٰه صدق اللّٰه معه.
في أحلك الظروف، كان اليقين عنده أعلى من القلق، والثقة بالله أقوى من اضطراب المعادلات.وقد صبر على المحن كما يصبر أصحاب المشاريع الرسالية ، وصبر على الأذى كما يصبر أهل المبادئ، وصبر على المرض في أيامه الأخيرة دون أن يتراجع عن واجب أو يعتذر عن مسؤولية.لم يكن صبره استسلامًا، بل كان صبرًا مثمراً ، يبني ولا يهدم، ويثبت ولا يتراجع، ويعلّم من حوله أن الرجال يُعرفون في الشدائد لا في الرخاء.عاش بسيطًا كما عاش الكبار الذين لا تغريهم المظاهر، ولمٍ يكن يرى في المنصب امتيازاً شخصيًا، بل تكليفًا ثقيلا ، لم يترك وراءه ثرواتٍ أو مظاهرَ سلطة، بل ترك سيرة حميدة وذكرًا طيبًا في قلوب الناس.
كان قريبًا من الفقراء وعوائل الشهداء، يواسيهم، ويتابع شؤونهم، ويعتبر خدمة الناس شرف السياسة الحقيقي.جمع بين قلبٍ رحيم لا يضيق بأحد، وبين موقفٍ حازم حين يتعلق الأمر بكرامة الوطن وحقوق الناس.لم يكن لينُه ضعفًا، ولم يكن حزمُه قسوة، بل كان انضباطًا أخلاقيًا في إدارة الخلاف، وصلابةً في مواجهة من يعتدي على العراق وأمنه ووحدته.
لم يكن عزيز العراق ينظر إلى موقعٍ أو عنوانٍ تنظيمي، بل كان حامل مشروعٍ وطني.كان يرى نفسه جزءًا من "نحن" لا مركزًا ل"أنا"، وكان مستعدًا أن يتقدم أو يتراجع إذا كان في ذلك حفظ لمصلحة العراق.الموقع عنده وسيلة، أما المشروع فهو الغاية.
كان يقرأ الأحداث بعمق، ويرى ما وراء اللحظة، ويحسب للمستقبل حسابه.لم تكن قراراته آنية، بل كانت مبنية على تقدير دقيق للمآلات، وفهم واع لتحولات الداخل والمنطقة.ولهذا بدت بعض مواقفه في وقتها موضع جدل، ثم أثبتت الأيام أنها كانت القراءة المبكرة الواعية لما سيأتي.آمن بالشراكة الوطنية إيمانًا عميقًا، ورفض أن يُدار العراق بعقلية الإقصاء أو الاستحواذ.وانفتح على جميع العراقيين عرباً وكرداً وتركماناً وشبكاً وفيليين ، مسلمين ومسيحين وصابئة وأيزديين.
كان يرى أن بناء الدولة لا يتحقق بالغلبة، بل بالتفاهم، ولا بالاحتكار، بل بالتكامل.سعى إلى كسر معادلة الظلم التاريخي ليؤسس معادلةً عادلةً يتساوى فيها العراقيون.كان من أوائل الداعين إلى ترسيخ المسار الدستوري وبناء مؤسسات الدولة بعد سقوط الدكتاتورية.فرأى في الدستور عقدًا اجتماعياً وسياسياً جامعًا، وفي الانتخابات وسيلةً حضارية لتداول السلطة، وفي دولة المؤسسات الضمان الحقيقي للاستقرار.
لم يكن مشروعه مشروع لحظة انتصار, بل مشروع دولة مستدامة.لم يكن يرى وحدة العراق شعارًا سياسيًا يُرفع في المناسبات، بل اختبارًا أخلاقيًا في كل موقف.الوحدة عنده مسؤولية، والتفريط بها خطيئة، والتعامل معها بسطحية ، مغامرة مرفوضة.ولهذا ظلّ يؤكد أن العراق أكبر من كل الحسابات الضيقة، وأنه لا يُختزل بطائفة أو حزب أو منطقة.كان يؤمن بالشباب إيمانًا حقيقيًا، ويرى فيهم طاقة العراق المقبلة. لم يتعامل معهم بوصفهم جمهورًا سياسياً ، بل جيلًا يُمكّن ويُعطى الفرصة ويحمل المسؤولية.كان يؤكد أن الدولة لا تبنى بجيلٍ واحد، بل بتكامل الأجيال، وأن المستقبل لا يتم تقديمه ، بل يُصنع بسواعد الشباب وإرادتهم.
كان عزيزٌ العراق مؤمنًا إيمانًا عميقًا بأن المرجعية الدينية ليست عنوانًا يُستدعى عند الحاجة، ولا غطاءً يُستخدم عند الأزمات، بل هي ميزان أخلاقيُّ ومعياريٌّ يُحتكم إليه في مختلف مفاصل الحياة.كان يرى في المرجعية صمّام أمان العراق، وبوصلته التي لا تخطئ الاتجاه، وكان يردد - قولًا وسلوكًا - أن المرجعية دينٌ ندينُ لله به، وأن الالتزام بها ليس موقفًا سياسيًا، بل عهدٌ شرعيٌّ وأخلاقيٌّ لا يقبل المساومة.لم يكن يتقدم على المرجعية ، ولا يتأخر عنها ، بل كان يتحرك ضمن هديها، ويستشعر ثقل المسؤولية حين يقترب من قرارات تمسّ مصير الناس والوطن.وفي أصعب اللحظات، حين اشتدت الفتن، وتكاثرت الضغوط، وتداخلت الإرادات الإقليمية والدولية، ظلّ يكرر أن النجف الأشرف ليست مدينةً دينية فحسب، بل هي مدرسة اعتدال، ومصدر توازن، ومركز إشعاع روحي يحفظ العراق من الانزلاق إلى المجهول.
لقد علّمنا عزيز العراق أن المرجعية ليست طرفًا في النزاع، بل هي رأي حاسم فوق النزاع، وليست جزءًا من التجاذب، بل هي سقف يضم الجميع.ومن هنا كان تمسكه بها تمسكًا واثقًا لا اضطراب فيه، وموقفًا راسخًا لا تغيير فيه.
أيها الإخوة والأخوات...إذا كان عزيز العراق قد عمل مع شركائه بجهدٍ جهيد لإخراج العراق من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي قيّد سيادة العراق وأثقل كاهله بالالتزامات والقيود، فإن واجبنا اليوم أن نحافظ على هذا المنجز،وأن لا نسمح بعودة أي مسار يضعف موقع العراق الدولي أو يهز ثقته بنفسه.
إن الجمود السياسي الذي نعيشه اليوم ليس خلافًا عابرًا، ولا تأخيرًا يمكن تجاوزه بالصبر وحده، بل هو حالة استنزافِ لمؤسسات الدولة، واهتزازٍ لثقة المواطن، وإضعاف لمكانة العراق في محيطه الإقليمي والدولي.إن مسؤوليتنا جميعا تقتضي الإسراع في استكمال الاستحقاقات الدستورية.. وتشكيل حكومة على أساس برنامج واضح المعالم.. وأشخاص مؤهلين يمتلكون الكفاءة والنزاهة والخبرة وشروط النجاح الحقيقي في أداء مهامهم في هكذا ظروف محلية ودولية حساسة..حكومة تُبنى على معيار النجاح لا المحاصصة.. وعلى معيار الإنجاز لا المجاملة.. لأن نجاح مخرجات العملية الديمقراطية هو الضمانة الحقيقية لتعزيز ثقة المواطن وإعادة الاعتبار لصوته وإرادته..لقد أكدنا سابقا ونجدده اليوم.. بأن قدر العراق هو الوحدة والتلاحم الوطني بين جميع الشركاء.. وأن دور العراق الحيوي في المنطقة والعالم يفرض علينا محددات لابد من مراعاتها والالتزام بها..الأمر الذي يجعلنا نرفض رفضا قاطعا أي محاولة لفرض املاءات خارجية في قرار العراق ، أو اختيارات مكوناته لأي سبب كان.. فالعراق بلد مستقل وذو سيادة ولا يحتاج إلى وصاية.. ونحن أدرى بأحوالنا وشؤوننا.. ونستطيع أن نختار ما هو الأصلح لبلدنا وشعبنا..
إن قرار العراق يجب أن يبقى عراقيا خالصا.. يصنعه أبناؤه عبر مؤسساته الدستورية..فالعراق اليوم لا يحتمل ترف الصراعات المفتوحة.. ولا يحتمل تعطيل مؤسساته.. وإن الكتل السياسية مدعوة اليوم إلى تقديم التنازل المسؤول على المكاسب الخاصة..ونقولها بوضوح.. العراق أكبر من أن يُعطل.. وأكبر من ان يُحتجز رهينة الخلافات.. وأكبر من أن تُختزل إرادة شعبه في حسابات ضيقة محدودة.مسؤوليتنا اليوم أن نرتقي إلى مستوى التحدي.. لا أن نهرب منه.. وأن نثبت لشعبنا أن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط.. بل هي قدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية..نحن لا نهوّل، ولكننا نحذر؛ لأن العراق دفع ثمنًا باهظًا ليخرج من دائرة العقوبات والقيود الدولية، ولا يجوز أن نسمح بعودة أجواء الضعف أو الانقسام.كما أن التحدي الاقتصادي لا يقلّ خطورة عن التحدي السياسي.لقد اعتمد اقتصادنا طويلًا على موردٍ واحد، وجعلنا أنفسنا رهينة لتقلبات الأسعار العالمية. وهذا المسار لا يمكن أن يضمن الاستقرار ولا العدالة الاجتماعية.
العراق بحاجة إلى تحول اقتصادي حقيقي؛ من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج متنوع.نحتاج إلى إحياء الزراعة، وتطوير الصناعة الوطنية، وتنشيط السياحة، وتشجيع الاستثمار الحقيقي, ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والانتقال إلى اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا.والتطور العلمي والمعرفي والتربوي والتقني.إن أي برنامج حكومي جاد يجب أن يبدأ بإنجازاتٍ ملموسة يشعر بها المواطن سريعًا، ثم ينتقل إلى إصلاح إداري ومالي حقيقي، وصولًا إلى خطة تنموية متكاملة تُقاس بنتائجها لا بشعاراتها.الاقتصاد ليس أرقامًا في جداول، بل هو فرص عمل للشباب، وخدمات مستقرة، وبيئة استثمار آمنة، ومكافحة حقيقية للفساد عبر الأنظمة والرقابة والشفافية.
قوة العراق في المرحلة المقبلة لا تقاس بعدد بياناته السياسية، بل بقدرته على بناء اقتصاد مستقر، يقلل الاعتماد على الخارج، ويعزز الإنتاج الوطني، ويمنح المواطن الأمل بمستقبل كريم.
إن أي إصلاح لا يجوز أن يكون على حساب قوت المواطن.. ولا على حساب أصحاب الدخل المحدود.. ولا على حساب الفئات الهشة والمهمشة..الإصلاح مسؤولية دولة.. لكنه أيضاً مسؤولية مجتمع يحمل ثقافة العمل.. واحترام المال العام.. ويدعم الإجراءات الصحيحة.. ويتحمل مسؤولية التغيير.. فالدولة والمجتمع شريكان في البناء.. ولا إصلاح بلا وعي جمعي وإرادة جماعية..
لقد أكدنا مرارا أن التوعية بمدخلات الإصلاح ومخرجاته يجب أن تكون واضحة وعلنية أمام شعبنا وأهلنا..فليس من الصحيح أن يتم اتخاذ قرار مفاجئ يستيقظ عليه المواطنون وهم لا يعلمون فائدة ذلك عليهم وعلى بلدهم..الإصلاح ليس قرارا ورقيا.. بل الإصلاح هو حماية قوت الفقير.. وهو كرامة الموظف.. وهو امان التاجر.. و مستقبل الشباب..
أيها الإخوة والأخوات..في ظل ما يشهده العالم ومنطقتنا بالأخص من توترات متصاعدة.. فإننا ندعو المجتمع الدولي إلى الالتزام بالمواثيق والقوانين التي قامت على أساسها المنظمات الدولية..إن استمرار لغة التصعيد وفرض الإرادات بالقوة لن ينتج سوى مزيد من الانقسامات والانهيارات.. مما يعرض الأمن والسلم الدوليين إلى مخاطر جسيمة.
إننا نشجع استمرار حوار التفاوض البنّاء بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية..ونؤكد أن طريق الحوار هو الطريق الأقصر لتجنيب المنطقة مزيداً من الأزمات.كما ندعو الإدارة الأمريكية إلى عدم الإصغاء إلى دعوات المغامرة والتأزيم .. لأن خيار التصعيد لن يخدم أحداً.. ولن يربح منه إلا تجار الحروب والأزمات.. بينما تدفع ثمنه شعوب المنطقة من سلامها واستقرارها..
إن استقرار الجمهورية الإسلامية في إيران يمثل ركنا مهما في استقرار المنطقة.. كما أن الحوار الأمريكي الإيراني ضرورة لتجنيب الجميع كلفة التصعيد.. وهو موقف مسؤول لجميع دول المنطقة وشعوبها الذين أكدوا مرارا للإدارة الأمريكية ضرورة تجنيب المنطقة خيار الحروب والتصعيد العسكري..ونتمنى على الإدارة الامريكية أن تعي ذلك وأن تأخذه على محمل الجد والموقف..
أيها الأحبة..في شهر رمضان المبارك.. شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار.. شهر ضيافة الله.. نحن مدعوون جميعا لأن نجعل منه محطة مراجعة للنفس.. وفرصة لتهذيب الروح وإحياء الضمير..شهر رمضان ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب.. بل هو امتناع عن الظلم.. وعن الفساد.. والأنانية و الكلمة الجارحة.. وعن القرار المتسرع.
فليكن هذا الشهر الفضيل تغييراً حقيقياً تبدأ فيه الثورة من داخل الإنسان قبل أن تمتد إلى مؤسسات الدولة..وإذا صلحت النفوس ، صلحت السياسات.. وإذا ارتقت الأخلاق ترتقي الأوطان والمجتمعات..لذا أوصي نفسي وإياكم إخوتي وأخواتي .. باستثمار ساعات وأيام وليالي هذا الشهر الكريم .. في الاستغفار وصلة الرحم والبر بالوالدين والأهل ،، وأداء الامانات والحقوق والورع عن محارم الله .. والابتعاد عن الشبهات والدعاء للعراق ولجميع شعوبنا العربية والإسلامية بالأمن والأمان والاستقرار ..
إن الوفاء لعزيز العراق لا يكون بترديد اسمه فحسب ، بل بحماية السيادة التي عمل من أجلها، وببناء الدولة التي سعى إليها، وبالعمل الجاد لإنقاذ اقتصادنا من الهشاشة، وتحويله إلى ركيزة قوة واستقرار.هذا هو العهد... وهذا هو الطريق...
أيها الإخوة والأخوات... يا أبناء شهيد المحراب وعزيز العراق...في ختام هذا اللقاء، لا نريد أن نغادر هذه الذكرى كما دخلناها... لا نريدها وقفة عاطفية عابرة، ولا خطابًا يُقال ثم يُطوى، بل نريدها عهدًا يتجدد ، ومسؤوليةً وطنية ، وخطوةً إلى الأمام.
لقد رحل عزيز العراق، وبقي العراق.ورحل الرجال، وبقي المشروع.رحل الجسد، وبقي المعنى.والمعنى الذي تركه لنا الراحل الكبير واضح لا لبس فيه:أن العراق أمانة...وأن السيادة ليست شعارًا...وأن الدولة لا تُبنى بالصراخ بل بالصبر والعزيمة.ولا تُحفظ بالانفعال بل بالحكمة...ولا تقوى بالانقسام بل بالوحدة.
إننا اليوم أمام مفترق طريق:إما أن نرتقي إلى مستوى التضحيات التي بُذلت من أجل هذا الوطن، وإما أن نسمح للجمود والانقسام أن يسرق منا المستقبل.إما أن نحمي القرار الوطني كما حُمي بالأمس بدماء الشهداء، وإما أن نتركه عرضةً للضغوط والتجاذبات.إما أن نحوّل اقتصادنا إلى قوةٍ حقيقية منتجة، وإما أن نبقى أسرى التقلبات والانتظار.
لقد علمنا عزيز العراق أن الرجال لا يُختبرون في الرخاء، بل في الشدائد...وأن الأوطان لا تُقاس بمساحتها، بل بإرادة أبنائها...وأن الدولة لا تقوم على الخوف، بل على الثقة.
نؤكدها اليوم بوضوح :لن نسمح أن يعود العراق إلى زمن الضعف.ولن نسمح أن تهتز سيادته،ولن نسمح أن تُختزل دولته بمصالح ضيقة.سنمضي، كما مضى هو،بثقة الله ، وبالوفاء للمرجعية العلياوبمسؤولية الأمانة أمام الشعب.
أيها الأحبة...إذا كان الخامس من شهر رمضان يومًا لفقدان قائد عزيز ، فليكن أيضًا يومًا لولادة عهدٍ جديد .. نجدد فيه المواقف.بأن نبقى أوفياء للخط الذي خطّه بعمره وصبره وتضحياته.فعهداً بأن نحفظ وحدة العراق كما كان يحفظها في قلبه.وعهداً بأن نعلي من قيمة الدولة والقانون والمؤسسة.وعهداً بأن نكون حيث يجب أن نكون... لا حيث يُراد لنا أن نكون.
رحم اللّٰه عزيز العراق وأسكنه فسيح جناته وجعلنا من السائرين على نهجه في خدمة شعبنا وأمتنا..وحفظ اللّٰه شعبنا وسائر شعوب المنطقة وشبابها من كل سوء ومكروه..وحفظ مرجعيتنا العليا متمثلة بالإمام السيد السيستاني (دام ظله الورف)، والرحمة والخلود لشهدائنا الأبرار وقادة الانتصار والشهيدين الصدرين وشهيد المحراب وعزيز العراق..والسلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته.












