بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين
قال تعالى في محكم كتابه العزيز : " وأطيعوا اللّٰه ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن اللّٰه مع الصابرين" إن المسلمين في جميع أنحاء العالم وبالأخص في العراق والمنطقة.. بأمس الحاجة اليوم إلى التكاتف والوحدة ورص الصفوف في مواجهة التحديات الراهنة.. وافشال مخططات الأعداء وأهدافهم المشؤومة.. حيث سعوا إلى نشر الفوضى واثارة الرعب في البلدان العربية والإسلامية فضلا عن دول العالم..
إن منطقتنا العربية والإسلامية كانت وستبقى منارا حضاريا لجميع شعوب العالم.. فهي محط الرسالات والأديان السماوية.. وموطن الحضارات الإنسانية.. ومركز الابداع الثقافي والعلمي عبر التاريخ..
لقد عانت شعوب المنطقة ويلات الحروب والأزمات التي إستهدفت أمنها واستقرارها وسيادتها ومصالح شعوبها.. نتيجة املاءات وأجندات خارجية كانت وما زالت تريد اشعال منطقتنا وإشغالها بالانقسام والفرقة والتشتت..
وفي خضم الأحداث الأخيرة المتسارعة التي شهدها العراق والمنطقة نود الإشارة إلى جملة من الأمور الهامة والحساسة:
أولا/ إن العدوان العسكري الذي شُن على الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرفوض ومدان و غير مبرر..
ولطالما حذرنا من الانجرار إلى خيارات التصعيد التي لا تخدم سوى تجار الحروب والأزمات.. إن استقرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجميع دول المنطقة مطلب أساسي لا يمكن التنازل عنه أو السماح باستهدافه..
فدماؤنا واحدة.. وديننا واحد.. ومستقبلنا واحد.. وأي اعتداء أو عدوان غاشم على أي دولة عربية أو مسلمة لا يمكننا القبول به أو السكوت عليه أو الوقوف عنده موقف الحياد أو المتفرج..
إن مسلسل اغتيال المراجع واستهداف العلماء.. يذكرنا بقتلة الأنبياء والأئمة والصالحين عبر التاريخ.. وإن السنن الإلهية في مسيرة الحق والباطل لم تتبدل عبر العصور.. فكلما ارتفع صوت الحق واشتد حضوره في هداية الناس وإصلاح المجتمع فإن قوى الظلام تواجهه بمحاولات القمع والاغتيال والتشويه..
لكن التاريخ يشهد أن الدماء الطاهرة لم تطفئ نور الرسالة يوما.. بل كانت سببا في ترسيخها وانتشارها.. لأن السنن الإلهية تقضي بأن يبقى الحق حاضرا في ضمير الأمة مهما اشتد بطش الظالمين ، وأن تتحول تضحيات المصلحين إلى منارات تهدي الأجيال وتفضح الظالمين..
وفي هذا الظرف العصيب ندعو جميع المنظمات الدولية إلى وضع حد عملي أمام من يسعى إلى انزلاق المنطقة والعالم إلى حرب طويلة تستنزف طاقات الشعوب ومصالحها وتبدد ثروات أجيالها نحو المجهول..
يجب مواجهة سياسة تعميق اللاإستقرار الإقليمي.. واعتماد سياسة الحوار البنّاء والفاعل في حلحلة القضايا العالقة ومن أبرزها الملف النووي الإيراني من خلال الذهاب إلى حل عادل ومقبول لا يستهدف سيادة الدول ومصالح شعوبها..
وأن تكون هناك نية صادقة في الحوار والوصول إلى نتائج حقيقية تجنب المنطقة ويلات الحروب.. وترسخ فيها ركائز الأمن والاستقرار والسلام الدائم.. فأمن العالم مرتبط بأمن هذه المنطقة واستقرارها..
ثانيا/ إن أمن واستقرار العراق وحفظ مصالحه العليا خط أحمر لا يمكن تجاوزه.. فما تحقق خلال السنوات الأخيرة من استقرار سياسي واستتباب أمني لم يأت عن فراغ.. بل جاء معبدا بدماء الشهداء والتضحيات الجسام لأبناء شعبنا وإرادتهم في بناء دولة عراقية قوية قادرة على تحقيق حياة حرة كريمة لجميع مكونات شعبنا..
وإن تعريض ذلك واستهدافه يعد استخفافا بتلك الدماء الطاهرة وضياعا لجهود عقود من الزمن أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم من نظام سياسي يشترك فيه جميع مكونات شعبنا عبر ممثليهم في مؤسسات الدولة الدستورية..
إن استقرار الدول لا يتم عبر الشعارات فقط.. بل يحتاج إلى إرادة وطنية حقيقية من خلال الوحدة والتكاتف والالتفاف حول مؤسسات الدولة ومصالحها العليا. فالدولة ليست أشخاصا أو زعامات.. بل هي مؤسسات ممثلة لإرادة الشعب وخياراته المصيرية..
الدولة هي الإطار الجامع الذي يحفظ وحدة المجتمع ويصون أمنه ويضمن ان تدار الخلافات تحت سقف القانون و داخل حدوده..
إن مسؤوليتنا اليوم جميعا كقوى سياسية ومجتمعية ونخب فكرية وثقافية أن نُعلي من شأن الدولة ونجعل مصلحتها العليا هي البوصلة التي توجه قراراتنا ومواقفنا..
فالعراق لا يمكن أن يستقر إذا بقيت إرادته موزعة بين مراكز متعددة.. ولا يمكن أن ينهض إذا بقيت مصالحه العليا رهينة الانقسام أو التنازع..
حين تلتقي الإرادة الوطنية مع مرجعية الدولة ، يتحول التنوع إلى قوة.. والاختلاف إلى حيوية.. وتصبح الدولة قادرة على أن تحمي أبناءها وتصون حاضرهم وتفتح لهم آفاق المستقبل..
والعراق بتاريخه وشعبه وإرثه الحضاري والإسلامي يستحق منا جميعا أن نرتقي إلى مستوى هذه المسؤولية الوطنية الكبيرة..
ثالثا/ نرفض أي استهداف يمس كرامة العراقيين وسيادة الدولة أو يهدد دماء أي مواطن عراقي أو يستهدف المؤسسة العسكرية بمختلف صنوفها.. ومنها هيئة الحشد الشعبي.. وهنا نجدد رفضنا واستنكارنا للاستهداف المنظم الذي طال شبابنا في معسكرات الحشد الشعبي وبعض المناطق السكنية خلال شهر رمضان المبارك.. وإن هذه القضية الحساسة لايمكن أن تمر من دون معالجة جذرية لمحاولات استهداف دماء العراقيين أيا كانت المبررات..
العراق دولة ذات سيادة ولا يمكن السماح باستهداف سيادته مهما كانت الذرائع والأسباب.. وقد أكدت الحكومة العراقية وجميع قواها الوطنية والسياسية التزام العراق بأن لا يكون ساحة للصراع أو منطلقا للاعتداء على دول الجوار وأن دوره يجب أن يكون ساعيا لإيقاف التصعيد في المنطقة وتثبيت ركائز الأمن والسلام والاستقرار فيها.. فاستقرار العراق فيه مصلحة للجميع في المنطقة.. ولا يمكن أن يُبنى مستقبل العراق إذا بقي ساحة للصراعات..
ندرك جيدا أن هناك من يريد اقحام العراق وجره إلى خلافات داخلية عميقة بين قواه السياسية .. فضلا عن ادخال العراق إلى ساحة الصراع الإقليمي المحتدم.. إن وعينا بذلك والتزامنا بالحفاظ على مصالح العراق العليا هو السبيل الحقيقي لإحباط هذه المحاولات وابعاد خطرها عن العراق وشعبه..
وإن الالتفاف حول مؤسسات الدولة وقرارها وسيادة مصالح العراق العليا هي البوصلة التي يجب أن نلتزم بها ونعمل وفق متطلباتها ومسارها..
رابعا/ إن بلدنا يقف أمام مرحلة حساسة من تاريخه ، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.. وتحديات اقتصادية وأمنية كبيرة.. الأمر الذي يفرض علينا جميعا أن نتعامل بروح المسؤولية الوطنية العليا وبعقلية الدولة..
في الظروف الحالية لا يمكن للعراق أن يتحمل استمرار الفراغ السياسي أو تعطيل عمل مؤسساته الدستورية.. لأن الدولة القوية لا تُدار بصلاحيات منقوصة ولا تواجه التحديات بحكومات مؤقتة أو حلول مرحلية..
إن احترام المدد الدستورية ليس مجرد اجراء قانوني فحسب.. بل هو تعبير عن احترام إرادة الشعب وصون استقرار النظام السياسي.. ولذلك فإن الإسراع في تشكيل حكومة عراقية كاملة الصلاحيات لم يعد مسألة سياسية قابلة للتأجيل أو المناورة.. بل أصبح ضرورة وطنية ملحة تفرضها مصلحة العراق وأمنه واستقراره..
إن شعبنا الذي قدم التضحيات الكبيرة من أجل بناء دولة مستقرة وعادلة.. ينتظر منا جميعا أن نرتقي إلى تلك المسؤولية الوطنية وأن نضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار..
لذا فإننا لن نقف موقف المتفرج أمام استمرار حالة الانسداد السياسي التي أنهكت مؤسسات الدولة وأثقلت كاهل المواطنين.. لقد تحلينا طويلا بروح الصبر والمسؤولية.. وحرصنا على اتاحة الفرص للحوار والتفاهم بين القوى السياسية من أجل الوصول إلى حلول وطنية جامعة.. لكن مصلحة العراق اليوم تقتضي أن ننتقل من دائرة الانتظار إلى دائرة الفعل المسؤول..
ومن هنا فإننا سنعمل بكل الوسائل الدستورية والسياسية المتاحة من أجل إنهاء حالة الانسداد.. وتسريع استكمال الاستحقاقات الدستورية عبر تشكيل حكومة قوية تملك عناصر النجاح الحقيقية التي تمكنها من أداء مسؤولياتها تجاه شعبنا في هذه المرحلة الحساسة والحرجة..
و في الوقت الذي نمد فيه أيدينا للحوار والتفاهم الوطني المسؤول.. فإننا نؤكد أن من حق شعبنا أن يعرف بوضوح من الذي يسعى إلى الحل ومن الذي يعطل مسار الدولة.. فالعراق أكبر من أن يبقى رهينة الخلافات أو الحسابات الضيقة.. ومسؤوليتنا جميعا أن نضع حدا لحالة التعطيل وأن نفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والعمل الجاد لخدمة شعبنا..
فمواجهة الأخطار والتحديات يجب أن تكون منطلقة من رؤية وطنية مسؤولة وعقلية ناضجة واعية لمتطلبات المرحلة ومآلاتها الخاصة.. وأن سلم الأولويات يجب أن يكون واضحا في مسار العمل السياسي الوطني المسؤول.. فمصالح المواطنين وأمنهم واستقرار بلدهم ضرورة شرعية ووطنية..
خامساً/ إن من أهم مسؤولياتنا في هذه المرحلة الحساسة هو تحويل الاستقرار المتحقق في العراق إلى نهضة حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.. لأن الاستقرار لا يكتمل إلا بإقتصاد قوي يفتح أبواب العمل ويصنع الأمل ويمنح الأجيال القادمة الثقة بالمستقبل..
إن العراق بلد غني بثرواته الطبيعية وموقعه الجغرافي وطاقاته البشرية.. لكنه لن ينهض ما لم تتحول هذه الإمكانات إلى اقتصاد منتج يوفر فرص العمل ويعزز التنمية ويمنح المواطن حياة كريمة تليق بتضحيات شعبنا..
إن بناء اقتصاد قوي لم يعد خيارا مؤجلا.. بل أصبح ضرورة وطنية ملحة تفرضها متطلبات الاستقرار ومستقبل الأجيال.. فالاقتصاد القادر على الإنتاج والاستثمار هو الضامن الحقيقي لاستقلال القرار الوطني وحماية سيادة الدولة..
وفي قلب هذه المعادلة يقف شباب العراق الذين يشكلون الثروة الحقيقية لهذا الوطن.. إنهم طاقة هائلة وعقول مبدعة وإرادة قادرة على البناء إذا ما أتيحت لها الفرصة والبيئة المناسبة..
ومن واجب الدولة والقوى السياسية وكل مؤسسات المجتمع أن تجعل من تمكين الشباب أولوية وطنية كبرى..
وأن تفتح أمامهم أبواب العمل والابداع والمشاركة في بناء المستقبل..
إن الأمم لا تُبنى بثرواتها الطبيعية وحدها.. بل تُبنى بعقول أبنائها وسواعدهم.. ولهذا فان الاستثمار الحقيقي الذي يحتاجه العراق اليوم هو الاستثمار في شبابه.. في تعليمهم.. وفي تمكينهم .. وفي تلبية طموحاتهم..
إن عراق المستقبل الذي ننشده هو عراق يمنح شبابه الأمل قبل العمل.. والفرصة قبل الانتظار.. والمشاركة قبل التهميش.. عراق يحول طاقات شبابه إلى قوة الإنتاج والبناء.. ويجعل من اقتصاده ركيزة للاستقرار والازدهار ..
سادساً/ إن العراق في أحلك مراحله وأشد أوقاته تعقيدا.. كان يجد في المرجعية الدينية الرشيدة في النجف الأشرف صوت الحكمة والاعتدال ، والبوصلة التي تهدي إلى المصلحة الوطنية العليا..
لقد وقفت المرجعية العليا على امتداد السنوات الماضية موقف المسؤولية التاريخية في حماية وحدة العراق واستقراره ودعت باستمرار إلى حماية الدولة ومؤسساتها واحترام الدستور والاحتكام إلى إرادة الشعب بعيدا عن الفوضى والانقسام..
وقد أكدت المرجعية العليا في أكثر من مناسبة أن قوة العراق تكمن في وحدة شعبه وفي قيام دولة عادلة تحفظ كرامة أبنائها وتصون سيادتها وتدير اختلافاتهم ضمن الأطر الدستورية والقانونية..
إن استحضار هذه المبادئ في هذه المرحلة الحساسة ليس مجرد استذكار لمواقف مضت.. بل هو تأكيد على أن الطريق الآمن لبناء الدولة واستقرارها يمر عبر ترسيخ هذه القيم الوطنية التي دعت إليها المرجعية.. وجعل مصلحة العراق العليا فوق كل اعتبار.
إن مسؤوليتنا جميعًا كقوى سياسية ومجتمعية ، أن نستلهم هذه الرؤية الحكيمة في إدارة شؤوننا.. وأن نحافظ على الدولة ومؤسساتها بوصفها الإطار الجامع لجميع أبناء الوطن.. وأن نتجاوز هذه المرحلة الحساسة والحرجة من خلال الالتزام بهذه القيم الشرعية والوطنية الكبيرة..
حمى اللّٰه العراق وشعبه من كل سوء..
وحمى بلداننا العربية والإسلامية من كيد الأعداء وشرورهم..
وحفظ شبابنا في العراق والعالم العربي والإسلامي من كيد الكائدين..
ورحم شهداءنا الأبرار وقادة الانتصار والمراجع الشهداء والشهيدين الصدرين وسفير المرجعية وشهيد المحراب وعزيز العراق.
إنه نعم المولى ونعم النصير ..
والسلام عليكم ورحمة اللّٰه وبركاته..








